أكثر ما شدني لهذه الرواية العجيبة الممتلئة بالإسقاطات التاريخية والسياسية هو قدرة الكاتب الفذة – من خلال صوت الراوي –  على التنقل معك في ذكريات البطل من الماضي نحو الحاضر ومن الأحلام نحو الواقع ذهابا وعودة دون أن تشعر للحظة واحدة بالنقلات التي يدخلك فيها ! شعرت بأن كل كلمة في موضعها الصحيح، وتساءلت وأنا في خضم القراءة عن مهنة الكاتب أو خلفيته العلمية – ومن عادتي إن وقعت على اكتشاف جديد أن أحاول الإبحار في العمل ابتداء ثم القيام بتتبع سيرته وما قيل فيه – ومبعث رغبتي في معرفة اختصاصه هو هذه الهندسة المتقنة للسرد، فالكاتب مجيد لصناعته، ويزن كل شيء بمقدار، وتبين لي بعد هذا الانطباع الأولي بدايات القراءة أنه درس الرياضيات المرتبطة بصناعة التأمين وعمل في هذا القطاع، فسهل بذلك تفسير ما وراء هذه النزعة نحو التنظيم والوضوح في البناء على الرغم من الرمزيات الممتلئة دون إثقال، بل بقدرة فنية فريدة وأرضية خصبة تتيح المجال للتأويلات المتعددة، تجد الكاتب يدخلك عبر قصص قصيرة فرعية بكل اقتدار، قصة في قصة داخل قصة، متاهة سردية لا تضيع فيها، تساءلت: هل هو متعمد لهذا الأسلوب المضغوط؟ أم أن إبداعه لا يمكن أن يخرج إلا بهذا الشكل؟ أجدني أكثر ميلًا للثانية رغم حماستي لتخيل ما يمكن أن تبدو عليه رواية غزيرة الصفحات يبتدعها كاتب ذي قريحة فياضة ولادة مثل هذا يحب الاختزال والترميز ، وما يعزز من صحة هذا التصور هو أن بقية أعماله – بحسب ما ظهر لي – متوسط الصفحات فيها هو مئتي صفحة، والشكر الجزيل لمترجمه عن لغته الأصلية (الألمانية) المترجم أحمد الزناتي الذي قام بترجمة رواية أخرى له عنوانها بالإنجليزية (The Master of The day of Judgment) اختار أن يترجم العنوان كالتالي: (معلم يوم القيامة) ولعلي كنت سأختار ترجمة أخرى للعنوان لو كنت مكانه، ترجمة تتوهج في ذهنك مباشرة بعد أن تقرأ العنوان الإنجليزي! فالعنوان قوي وشديد الإيحاء وبحسب مقالة عن (العبقرية المفقودة لليو بيروتس) فإن بورخيس عدها واحدة من مفضلاته، وبحسب المقالة المشار إليها فإن بورخيس عده – عموما – واحد من أفضل كتاب الغموض، واعتبر روبرت موزيل أن الرجل ابتكر نوعه الخاص الفريد، وعد إيتالو كالفينو وغراهام غرين وألفريد هيتشكوك وإيان فليمنغ أنفسهم من المعجبين به! ويقول المترجم في المقدمة : (( في سنة 1933 نشربيروتس رواية St. Petri-Schnee ((ثلج القديس بطرس)) أو ((حبل الروح)). وهي رواية رمزية تسعى إلى تسليط الضوء على خطورة تصاعد الموجة الفاشية التي التهمت القارة الأوروبية، مما أدَّى إلى حظر الرواية من الحكومة النازية. في سنة 1940 حصل بيروتس على الجنسية الفلسطينية وبعدها بسنوات قليلة وتحديدًا سنة 1945 فكر في العودة إلى أوروبا. وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل شعر الرجل بأن سنوات شقائه وبؤسه الحقيقية قد بدأت، فقد كره بيروتس الدولة العنصرية الوليدة، وبرغم انتشار أعماله في أوروبا، بل حتى في أميركا الجنوبية بعد تبنَّي بورخيس فكرة ترجمة رواياته إلى الإسبانية، نضب إبداعه الأدبي. كان الباعث نفسيًّا قويًّا؛ إذ وجد بيروتس داخل إسرائيل الروح القومية المعادية للآخرين، وهي الروح نفسها التي حاربها في أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية، كما وجد أن السياسة الفاشية التي مُورست ضد اليهود إبان الحُكم النازي، كانت تُمارس وبصورة سافرة مَقيتة ضد أبناء الشعب الفلسطيني، فكان يقسِّم وقته بين موطنه المُتبَنى إسرائيل وموطنه الضائع النمسا الذي تحوَّل إلى أطلال كثيبة بعد انتهاء الحرب)).


لا أود عرض حبكة الرواية بتفصيل، رغبة في إتاحة المجال لمن أراد الاستمتاع بها، ولكن يمكن لي الإلماح حول بعض الانطباعات التي شعرت بها بعد الانتهاء من قراءة الرواية:

  • الرواية ملهمة لأهل الصنعة دون شك، ولكنني لم أجد فيها تلك الروح الإنسانية الخالدة التي أجدها في كل عمل أدبي عظيم، استمتعت بها فنيا وأجد الكثير مما يمكن تعلمه في استخدام الرمزيات التاريخية واستخدامها في الإسقاطات التأويلية، ولكنها لم تلامس أعماق الروح، ولعل السبب أنني لم استطع سماع ما يود قوله الكاتب، أظهر لي قدرته الفنية بكل اقتدار، واستمتعت للغاية، ولكنني لم أدر ما يود قوله، رغم وجود معان يمكن استلهامها.
  • فيها كشف عن مسارات التاريخ الممكنة والإمكانيات المتاحة لكل من أراد استخدام قوة الدين أو المعتقدات والأيدولوجيات الكبرى لأجل التلاعب في مصائر الأمم باسم المعاني الكبرى بينما لا تعدو أن تكون البواعث دنيوية بحتة.


اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة