
اللوحة للفنان (Édouard Manet) L’évasion de Rochefort (The Escape of Rochefort)
((في الصباح الباكر، تستنشق عبق الجنة الأول، أيام تجول أبونا آدم في بدايات الخلق، تستشعر وجود أشجار الفردوس حولك وما يحفها من طيور عدن الخالدة، لا يعنيك من أمر الدنيا شيء، طالما أنك معلق في خيوط الشمس الذهبية الممتدة عبر المدى))
جالت الخاطرة في ذهن صاحبنا فيّاض الضحوي، مستشعرًا طعم الخلود، والقدرة الملكية النافذة في السيطرة على وقته، وخواطر عقله وهواجيس صدره، هكذا يظن ويفكر، يقول أنه سلاحه الوحيد الذي أنقذه وصانه وحماه من ذاك التعفن الذي كاد يقضي عليه، مع قدرة على التحكم، دون شعور العبودية الخانق الذي كان يحس به تجاه قيود معيشة الواقع ومتطلباتها، لكنّه الآن متحرر لله من كل شيء، يصنع الخزفيات – شغف طفولته القديم – أمام هذا البحر الشاسع، محققا حلم الطفولة القديم بالسكنى جوار أجلّ خلق الله في نظره، البحر، الماء، وبيت صغير يحفظ شتاته عن ضياع العصر الشائع.
فكّر مليّا في الواقعة التي كادت تنهي وجوده على المستوى الروحي، ونعم، هو مقتنع بأن الإنسان له ميتتان، أولاهما أقسى وقعًا من الميتة الثانية ولا سبيل للمقارنة بينهما من ناحية الأثر: الميتة الأولى تموت روحك فيها، تنطفئ، تذوي، تضمحلّ الآمال، وتجف مياه الحياة في عروق شغفك والخيال الذي يغذي المعاني في جوفك كي تبقى حي الروح يقظ الوجدان محققا لإنسانيتك الصادقة النقية، أما الثانية فهي تحلل الجسد بكل بساطة، ومكمن فخره وأساس حمده لله أنه استطاع أن يصون النفخة الربانية فيه.
بهذا، عاش بقيّة عمره..
*********************
تذكر كيف خاطبه صداح الفاغر مديره الأربعيني، التائه حقا بين جيلين، جيل أقرانه الضائعين بين أحلام مبددة في سبيل أفكار إما أنها لم تنضج على الطريقة التاريخية المثلى، أو أنها نضجت حتى احترقت، بفعل الواقع والتاريخ، أو بفعل فاعل جريء ظن في نفسه القدرة على معاكسة إيقاع قوانين الوجود الأزلية، تلك التي من أيام آدم أو قبله، لعلها منذ الكلمة التي كانت في البدء، أو حتى قبل ذلك، عند ينبوع الأصل، ومركز الوجود، انبثق كل شيء.
صدح صدّاح في وجه صاحبنا بكل عنفوان، معبرًا عن نفسه دون أدنى اهتزاز في الثقة :
- اسمع يا فياض، والله ثم والله ثم والله، الحياة حتربيك إذا ما ربيت نفسك! صدقني أقولها لك من محبة وأخوة، أنا مديرك نعم، لكن يا أخي نحن لسنا مثل الغربيين العلوج، معليش يا فياض بشطح عليك: هل تعرف الصحاف صاحب كلمة العلوج؟ لا أطنك تعرفه، جيلكم خير وبركة إن عرفوا فلسطين وأعلامها وتاريخها ناهيك عن العراق، ولكن ماعلينا، سأقول لك شيئًا ..
ثار الدم في رأس فياض، شعر بالإهانة المبتذلة عندما ألمح مديره بأنه من جيل لا يعرف فلسطين :
- العفو يا عم صداح أنت في مقام الأخ الكبير ، ولا أريد أن أقطع كلامك، ولكن هذا تصور شائع مغلوط عنّا، نعرف فلسطين ونذكرها ..
- تمام تمام ياحبيبي ماقصدت شي ولكن دعني أكمل لك: كنت أريد أن أوضح لك الفرق بيننا وبين الغربيين من ناحية التعامل بيني وبينك في العلاقة الوظيفية، علاقة الرئيس بمرؤسيه، نعم نريد الاحترافية والأداء الفعال في عالمنا العربي، ولكننا عرب يا أخي، ولذلك أتحدث معك بشفافية وصدق، اسمع مني ..
سرح صاحبنا فياض في ذكرى انبثقت فجأة وفاضت عليه من خزان عقله الأسبوع المنصرم، حيث سمع مديره العربي هذا، صداح الفاغر، يتجاذب أطراف الحديث مع المتدربة الجديدة سمر الجمّال، خريجة ماجستير ليست صغيرة السن ولاهي بالغريبة عن نضج العقل والشعور، وإنما هي ممن سارعوا اللحاق بركب القطار حتى لا يفوتها التحديث، فأعقبت بكالوريوس اللغة العربية عندها بماجستير في الإدارة العامة مع تركيز على شؤون الحوكمة والالتزام، جرى الحوار بينها وبين صداح على وقع هدوء صباحي لذيذ قبل مجيء بقية الموظفين:
- بإذن الله إنك راح تبدعي معنا ومتأكد بأن لديك الكثير لتقدميه.
- بحول الله أستاذ صدّاح ، لكن عندي استفسار ، هل فيه معي أحد الزملاء بالقسم ممكن يفيدني بالبدايات؟
- أولًا بعد إذنك بدون كلمة أستاذ، نحن هنا بمثابة الفريق الواحد، ونريد للعمل أن يكون احترافيا دون حواجز أو تكلف، وثانيًا نعم هناك زميل لك سأكلّفه بأن يرتب لك كافة ملفاته حتى تكملي عليها، فهو لن يكمل معنا، رجل متعب مزعج.
لماذا يضطر المرء أن ينافق؟ هل هو دافع الخوف من فقد المكانة يجعل الإنسان مستمرئا الكذب؟ أم هو الاغترار بالنفس الذي يوهم امتلاك ذكاء خارق للطبيعة يفوق كل ما لدى البشرية من ذكاء؟ سرح فيّاض في خواطره واسترسل، حبل الكذب قصير، مديري بذاته الذي يدعي اللطافة والطيبة، سمعه بذاته يتحدث عن فصله، وأن الإجراءات في طريقها للاعتماد، وهو الآن يحدثني عن ضرورة التطوير لأجل ترقيتي التي يحب أن أحصل عليها بتقييم مميز.
- فالحق أقول لك، اعتبرك أخ أصغر لي، وملاحظتي الوحيدة عليك أنك مفتقد لعقلية الموظف الناجح، وقد شرحتها لك مرارا يا فيّاض، والله يا صديقي وأخي الأصغر، أي والله ما اعتبرك إلا أخ أصغر ، وهنا واحدة من الفروقات بيننا وبين الغربيين، النبل يا أخي النبل والنخوة العربية، نحن أناس لسنا دون أخلاق أو دين تحكمنا العوائد الطيبة وأعراف الرجال اللي ورثناها، فأنا يعز علي أن أراك تتخبط دون أن أنبهك
خلال هذا الحكي البليغ عن أخلاقيات العربي الأصيل، حاول فياض الضحوي الاسترسال في ذكرياته الضبابية بدايات انضمامه للمنشأة، كان صدّاح يحاول تذكر المواقف الأولية البسيطة، تلك التي تدل على جذور كل شيء وشرارة النوايا الأولى المختبئة خلف السحاب، فانبجس موقف كان يحاول فيه صدّاح أن يفتتح معه حوارا بشتى الطرق بكل ما أوتي من حلاوة كلام وقدرة على التقرب، وتذكر فيّاض أنه عادة مايكون ثقيلا متخشبا صعب المراس بدايات انضمامه لمكان عمل جديد، وهو لم يكمل السنة حتى الآن في المنشأة، ومتوسط دورات العمل الشائعة هذه الأزمان تتراوح بين السنتين إلى الثلاثة سنوات، أمر غير مستغرب، تربة لا يمكن أن يزهر فيها ودٌّ (مستدام) حتى من يحاول أن يكون صاحب ود عملي فعال، لا يمكنه أن يزدهر في محيط منطفئ، كانت الخواطر تجول في ذهنه تباعًا دون تنظيم واضح.
- سر الصعود الوظيفي أنت مفتقد له بشكل يصعب تداركه، لا أجزم باستحالة المسألة، ولكنني أخبرك: لو رأيت منك النتائج التي تدل على استيعاب الدرس، فأبشر بالترقية خلال شهر، واحفظ عني جوهر المشكلة لديك: أنت إنسان لا تعرف معنى عقلية الموظف، هذا هو، أنت مفتقد لعقلية الموظف!
خلال حكي مديره صدّاح، كان صاحبنا يحاول استيعاب فحوى القول الموجه له، هل هو نابع عن قناعة شخصية لدى مديره؟ أم أن الرجل لم يطقه ابتداء؟ وإن كانت الثانية فلماذا؟ وذكّر فياض نفسه أنه كان خلوقًا ضاحكًا مع مديره، يتعامل معه بالعفوية اليومية التي يمارسها مع أصدقائه لأنه ارتاح له ولأنه لا يؤمن بالفصل بين الحياة الشخصية والعملية، الله أكبر! لماذا الفصل؟ أنا إنسان واحد، كل متكامل غير متجزئ، أنا فياض الضحوي في المنزل أو في العمل، بين أهلي وأصدقائي، في الحضر أو في السفر، لا يعني هذا أنني بلون واحد، كلا، ما أقصده يعني أن تكون كيانًا روحيا بلون وطعم ورائحة، أن تكون حيّ الروح، متعدد القبعات غير منفصم الشخصية، أنا ضد الجمود وقتل الروح، هذا ما أردته، أنا أحارب كل ما فيه وأد لفرادة الذات الإنسانية، هذا ما كان يسرح فيه فيّاض.
- أنت سامعني؟
- معك معك يا عم صدّاح، طيب، بإذن الله نركّب عقلية الموظف العملي الفعال، أبشر.
- أنت تسلك لي؟ تطقطق؟ لاحول ولاقوة إلا بالله.
- لا والله! القصد أنني سألتزم بحول الله وقوته، ولكنني أنشدك أن تدلني على الوصفة العملية لأكون ناجحًا.
- خذها مني، وعلقها في أذن عقلك: افهم مرّادي كمدير قبل أن أفصح عنه، واعمل على خلق بواعثي حتى لو لم أكن اعرفها.
- أوف! هذا لغز ياعمنا!
- عدنا للفهلوة؟
- لا وربي هههههه، ولكنني لا ست عرافا عمنا القدير، الفكرة أنني أريد مزيد شرح لهذه الجملة العبقرية.
- الفكرة باختصار ولن أطيل: الشيء الذي أريده تسعى لتحقيقه دون إكثار من الجدل، و إن أحسست بأنني لا أدري ماذا أريد فابذل جهدك لأجل أن تخلق لي أفضل شيء يمكن أن يخدم مصلحتي أولا التي هي مصلحتك كموظف تابع، فهمتني ولا أنا أشرح فيزياء؟
- واضح واضح يا عمّنا، لكن معنى هذا الكلام، يا للأسى، أنك تريدني مطموس الهوية فاقد الإنسانية، لا تريدني أن أقوّمك إن أخطأت.
- رجعنا للفلسفة؟ يا سيدي أنا لست عمر بن الخطاب وأنت لست من الصحابة! فاخلص علينا وافهم ولك الترقية إن شاء الله!
- لا لا خلاص صلي على الحبيب، وأبشر بالخير.
مضى شهر من هذا الحوار الفجّ بينهما، وصاحبنا قام بأفعال مخالفة لشخصيته المتفردة دون أن يخسر الجوهر، هكذا كان يحاول أن يمرّن ذاته على مفهوم الفصل الروحاني الذي ابتكره بينه وبين نفسه على المستوى العملي في عمله، فكرته أن يبني شخصية شفافة هلامية يمارس فيها الأعمال اليومية التي لا يطيقها ويضطر لها اضطرارًا لأجل الوصول لهدفه البسيط المتمثل في الترقية، زيادة طيبة في الراتب تمكنه من زيادة وتيرة السفر الذي يحبه، لا ضير في ذلك، ولكنه لم يطق نفسه خلال هذا الشهر! وصل به الأمر أن يخاطب نفسه بالمهرج! ولكن لا بأس، يحاول أن يحافظ على الحد الأدنى من تفرده، من خلال إلقاء نكتة ظريفة بين الحين والآخر، فهو ممن يؤمنون بأن حس الفكاهة هو آخر ما يفقده الإنسان الصادق، فلنحافظ على الحد الأدنى من الصدق، واستحالت نكاته إلى سخرية صامتة في خواطره، هذه هي ثورته النبيلة التي يحاول ألا يخمد وهجها، أو هكذا حاول إقناع نفسه.
رنّ جواله صباح الأحد، بعد شهر بتمامه:
- السلام عليكم صبحك الله بالخير ، الأستاذ فياض الضحوي؟
- حيّاك الله أي نعم.
- أرجو أن يكون الوقت ملائم؟
- تفضل
- معك عبّاس العبّاس من الموارد البشرية إذا ممكن تشرفنا في المكتب؟
تهللت أساريره، واسترسل في خواطر بشرى الترقية القادمة، وانطلق نحو مكتب الموارد البشرية، صحيح أنني تنازلت عن مسألة أو اثنتين، وتحسست أنفي عدة صباحات لأجل التحقق من أنفي إن كنت قد صرت مهرّجا حتى في شكلي أم أن المسألة روحية بحتة، ولكن الحمدلله وحده، مازلت مهرجا من الداخل دون السطح، ومحتفظ بالبقية من إنسانيتي داخل جوف الروح ، ولن ينطفئ كل شيء، أرجو ذلك.
صحيح أنني كنت كلما زدت فروض الطاعة لمديري صداح كلما ازداد نذالة في تصرفاته، ولكن لا بأس، لعلها كانت اختبارات عابرة كي يرى قدر الصمود لدي، وها أنا ذا منتصر بقدرة الله، حسبي الله على صداح الوغد، لأول مرة في حياتي لا أستطيع أن أحظى بمتعة القيلولة خلال شهر كامل من التزلف المقرف له في سبيل هذه الترقية البائسة، عجيب أمرنا، يمط لي في وقت الدوام ومن المهام التافهة حتى يستطيل وقت الدوام، وحينما تدقق في فحوى المهام وجوهر غاياتها، فخذ مني قول العارف: المهرّج الكوميدي على المسرح يقوم بعمل أنقى وأشرف مما نقوم به، أتدري لماذا؟ لسبب بسيط: هو يعلم أنه مهرج، والجمهور مدرك لذلك، والاتفاقية غير المكتوبة بينهم أن يقوم بإضحاكهم لأنه مهرج وهم عليهم الضحك إن أعجبتهم النكات، أما نحن فنحاول إقناع أنفسنا بجدوى الأعمال التي نقوم بها وإظهار نفعها في سياق الشأن العامة وخدمة الناس، والمسألة كلها أنانيات بشرية مجمعة متراكمة فوق بعضها لدرجة أنك تشم رائحة عرق التنافس المحموم بين الجميع رغم أن الكلّ مغطًى بثياب فاخرة لا تظهر إلا المباهاة والتفاخر مع تكاثر في كل شيء كاذب زائف، فمع كل هذه الادعاءات نقتنع وتتحول شخصياتنا لتصير باهتة مصدقة للكذبة على الرغم من معرفة الجميع – ابتداء – بوجود الكذبة ، وهنا شرف المهرج وجمهوره علينا، هكذا فاضت قريحة فياض، وطبطب على نفسه أنه سيقطع الزيف حتمًا، لكن بعد الترقية:
- معذرة منك، نقدر جهودك، ونتمنى لك التوفيق، لكن مضطرين أن نفصلك، والمسألة موضحة هنا كاملة في التقرير، اطلع على التقرير لو سمحت، ونتمنى لك التوفيق ودوام النجاح في الموارد البشرية، ولا تأخذ الأمر على محمد شخصي، لكن هذه هي المتطلبات في الحياة الوظيفية، وفألك التوفيق.
************
جاءته رسالة على جواله من طاهر الصافي، موظف الاتصالات الإدارية الذي استمرت العشرة بينهما، وهو الوحيد الذي كان يحس معه بالألفة وقت أن كان عاملًا في المنشأة، لأنه كان يفهم النكات، على وصف فيّاض، وكان طاهر يسخر منه أن من المحتمل أن تكون نكاته سخيفة فعلا فلا يضحك منها إلا أهل السخف مثله، ولا علاقة لخواء الموظفين بنكاته الغبية، فيضحكان سويا ببلاهة.
قرأ الرسالة في الواتس :
(( الأسبوع القادم زواج صاحبك من سمر الجمّال؟ تذكرها)).
تبسّم صاحبنا فيّاض بهدوء ، من أمام منزله المطل على البحر، وضحك بمتعة، وعمق، وفخر بقدرته على سبر الأغوار، ورد على طاهر الصافي:
(( الله يهني سعيد بسعيدة، والحمدلله انتهت بزواج، عجبي، ربي يسعدهم)).
استنشق فياض أكسجين البحر بارتياح.





أضف تعليق