اللوحة للفنان Ilya Repin

Barge Haulers on the Volga or Burlaki

عبده اللزج، قصير القامة مكوّر البطن، للأسف الشديد أنه يظن امتلاكه لهبة الكوميديا وفطرة الروح الخفيفة، لكنه ثقيل الطينة كريه الرائحة منعدم القدرات الاجتماعية المعينة على العيش والتفاعل البشري المثمر، وكل ذلك وفق ما عبّر عنه صالح المطمور – زوج ابنته الوحيدة – في جلسة ودّ ليلية مع صديقه بتّال القناص الذي يعمل رئيسًا تنفيذيًا في مجموعة شركات عبده لتغليف التمور، ولطالما كانت هذه الليالي الملاح، بعد منتصف الليل، نبعًا لا ينضب لرجال الاستخبارات الصاعدين، فأنت تهب لجليسك قطعة بطاطس من هنا، وبرجرًا من هناك، مع شاي معتق ومكسرات، فتحصل على قصص عاطفية ما كنت ستحظى بها لولا سطوة الليل البهيم، فالليل كما يقول بتّال القناص دومًا: فرصة للإفصاح عما لا يمكن جرده تحت نور الشمس، انسكاب للذاكرة المترددة.

  • يعني لماذا يتباهى علينا في كل مرة بمنجزات غريبة عجيبة مثل وجهه؟

هكذا تساءل صالح المطمور صحبة بتال القناص

  • هههه أولًا قلي بماذا تباهى عليك؟ وثانيا يا أخي إلى متى سأظل أفهمك أن البهلوانيات التي يتبجح بها ما كان له أن يستمر فيها لولا غباء من حوله من أهل ونصابين، لأجل دولاراته وحدها
  • أي دولارات تستهبل أنت؟
  • عذرًا أقصد ريالاته الكثيرة، ولعلي انسجمت مع السارد فأحببنا ( عزيزي القارئ لعله هو أحب ذلك لا أنا ) أن نمزج الممكن بغير الممكن، نوع من التباهي، أم أن الأمر حلال على عبده المعفن حرام علينا.
  • أوف! الان صار عبده معفنًا؟ ألم تكن تتقرب إليه طوال عمرك لدرجة أنني حسبتك جارية عنده؟
  • عيب يارجل ههههه جارية وما جارية، ما زلت تعيش في التاريخ؟
  • طيب حتى ما تنسى أصل الموضوع، بماذا تباهى عليك؟
  • هههه لن تصدق
  • وأنت لماذا تضحك مع كل جملة تنطق بها؟
  • يا أخي مروق أنا، لازم أكون متجهم مثلك؟ هههه
  • طيب طيب .. خبرني
  • طبعا بعد سلسلة التبجحات المضحكة السابقة، شطح علينا الان بشيء فريد عجيب
  • والذي هو؟
  • أنه يلعق في اليوم ٤٠ نوعًا مختلفا من الايسكريم، ويتلذذ بكل ايسكريمة وكأنه لم يأكل قبلها؟
  • ولماذا أراك تقول (يلعق) ولم تقل يأكل؟
  • لأنك لو رأيته ههههههه لن تجد كلمة أفضل منها لوصف المشهد، الرجل يستغرق في الايسكريمة الواحدة نصف ساعة مع هذا الحر اللاهب، ويلتذ بكل لعقة يا رجل هههههه
  • يعني لا أعلم والله لماذا تضحك مستمتعا ولماذا أصلا تجد الموضوع مضحكا؟!
  • لأنه رجل ممتع والله ومضحك هههههه
  • ياخي ما وجدت من يستلطفه إلا أنت وأمثالك من البهلوانيين مقتنصي المصالح، فبينما هو يلعق في آيسكريماته كما تقول، انظر لحال ابنته، زوجتي الحبيبة، التي يمكن علاجها بأموال أبيها المنحط، ومع ذلك يبخل عليها وعلينا !
  • أوه أوه هون عليك هون عليك، أولًا ألف سلامة على الزوجة العزيزة
  • لاتقل العزيزة!
  • ههه عجيب أمرك يا أخي من باب الاحترام من باب الاحترام أقولها!
  • احترامك لا نريده
  • ماشي ماشي يا متجهم، المهم، كنت سأقول لك: ولماذا لا تعالجها من حرّ مالك يا متفذلك؟
  • وهل ترك لنا حرية في العمل والتنقل هذا الوغد أبيها، حتى جهدنا وحقنا سرقه؟ قتل كل سعي وكل جهد راكمته في أعمالي التجارية، وأنت تذكر جيدا ما فعله حينما عطل استصدار تصاريح تصدير البضائع تلك الأيام 
  • هههه يوووه طلعت جمل لا ينسى أيها البدوي!
  • طبعا لا ننسى، فلسنا مثلك يصب علينا فتات الأسافل ببضعة حركات بهلوانية 
  • ههه والله لا أدري عن ماذا تتحدث، ولكني والله أحبك يا أخي ظريف أنت ولم تفهم الحياة والناس بعد ولا أظنك ستفهم يومًا، ولكن لعيونك، أعدك بأنني سآخذك لقصره، وأقنعه أن يتكفل بمصاريف زوجتك أيها البائس الفقير، أقصد مصاريف علاج ابنته ابنته ههههه

تظهر في حياة الإنسان أحداث فريدة ومواقف استثنائية لا يمكن أن تتكرر مرتين، والروح بعدها في اختلاف، إما نحو حيث تشرق شمس الله، أو باتجاه الغرب: مدفن النور. ومن أمثلة هذه الأحداث ما حصل لصالح المطمور بعد زواجه من ابنة عبده اللزج الوحيدة، وكان شديد التردد مضطرب التفكير حائر الوجدان تجاه هذه الخطوة، لسبب بسيط، كان يعرف جيدا تلك السمعة الشائعة عن التاجر الطاغية عبده، لا يحب أن يتحكم أحد بأي شيء يمتلكه، وهو يعتبر ابنته من ممتلكاته، مثلها مثل الطاولة أو شركاته أو الموظفين عنده، هكذا ينظر عبده للدنيا والأشياء، وصالح المطمور لا يطيق أن يأمره أحد أو ينهاه، يقول لأنه بدوي، وبتال الصياد يقول له بل لأنك ساذج لا تفهم، وفي ليلية انسكاب فضفضة وذكريات صحبة بتال، استطاع أن يقنعه بأنه قادر على أن يمسك بشعرة معاوية بينه وبين أبيها، أن يحيط علما يتجاراته وأساليب تعاملاته ومدى علاقاته فيستفيد منها ويغتني بجهده بعد الفهم، ويعيش باستقلال وهدوء مع زوجته بعيدا عن تحكمه، وينقذ المسكينة البريئة منه، عبر بضعة تكنيكات عملية سيعلمها له بتال، ولكن الحق يقال، مضت الأيام على صالح فما ازداد إلا قربًا من الحائط، وتراكمت في صدره عقد نفسية لا حصر لها، مقابل صعود مذهل لهذا البتّال القنّاص العجيب، وكان كلما ازداد صالح تعجبا من قدرة صاحبه على أن يحافظ على علاقته معه ومع عبده، يزداد بتال صعودا في مملكة عبده التجارية عبر سبر أغوار المعلومات التي ينقلها له صالح عن كفيله بحسن نيّة ودون شديد انتباه أو قدرة على التركيز في الصغائر كما يعتقد.

  • ها نحن الآن أمام قصره المنيف كما ترى، وصدقني لقد بناه بجدّه واجتهاده ههههه ، عمومًا لا تستغرب حينما تراه يلعق الايسكريم بتلذذ وكأنه لا شيء في الدنيا يستحق اهتمامه سوى الايسكريم هههه فقد شاهده واستمتع بالمنظر

بدى صالح المطمور كهباءة منثورة أمام ضخامة القصر، ما الذي تطلبه الأمر حتى يستطيع عبده اللزج أن يبنيه؟ هل يعقل أن تجارة تغليف التمور تعطي الإنسان هذا القدر المهول من الثروة العجيبة؟ 

ساحة شاسعة خلف الأسوار الممتدة، وحديقة منوعة الصنوف مع تكييف صحراوي متطور يخفف من حرارة الأجواء مع مرشات ماء لا تكاد تحس بها موزعة في شتى الأنحاء، ثم تجد القصر في وجهك شاهقًا، والصعود إلى مدخله يتطلب منك أن تصعد خطوة بخطوة عبر درج من الرخام الفاخر، وأخبرهم أحد الخدم الذين بصبحتهم أن بإمكانهم الصعود عبر المصعد الجانبي إن أرادوا، لكن صالح وبتّال قررا الصعود عبر الدرج، ولحظة الوصول أمام المدخل، ظهر عبده اللزج، وبمجرد ظهوره من خلف الباب المهول، هبّت نسمات عفنة تحمل رائحة العرق الشهير لعبده اللزج، إنه فعلا يمشي برائحة نتنة، كيف يمكن لفاحش الثراء مثله ألا يغتسل جيدا أو يتطيب على أقل تقدير، بتّال مستمر في ابتساماته الراضية، وصالح متعجب من هذا اللزج بقرف، كيف يكون هذا حقا هو والد زوجتي الغالية، ولا حول ولا قوة إلا بالله صبرًا ياربي على أن وضعت حاجتي عند هذا الوغد، استرسل في السب واللعن.

أما عبده اللزج ذاته، فخرج وفي يديه ايسكريمين، في اليمنى بالشوكلاتة، واليسرى بنكهة حلاوة القطن، ذوق غريب كغرابة هذا الثري العفن ( وصفًا عزيزي القارئ لا حكما عليه، فهو حقًا لم يستحم منذ أسبوع) ، ابتدأ أمامهم بلعق الايسكريم الأيمن، اندهش صالح من براعة تنقلات اللسان لديه أثناء لعق الآيسكريم، يبتدئ بنحت الأجزاء العلوية، ثم يعقف لسانه مجددا ببراعة ليلحق بالأجزاء السفلية قبل الذوبان المنفلت الحر، ومع كل حركة، ترى التركيز والاندماج المذهلين في انصهار الرجل مع الايسكريم، وكأن متع الدنيا كلها لا تساوي عنده هذه اللحظات، باغته بتال القناص وسط لحظات الالتذاذ الفردوسية هذه:

  • لا نريد أن نزعجك يا سيدنا عبده، ولكن صديقي وزوج ابنتك صالح يريدك في موضوع ويريد وساطتي في المسألة

لم يتغير أي شيء، حركات لسانه البهلوانية مستمرة في الحفر الراقص والضربات الاحترافية المتتالية تجاه هذا الايسكريم الأيمن، وقد يستبق الأيسر قبل ذوبانه، وقد ذاب منه الشيء الكثير، ولكن الرجل لا يبدو مهتما باللطخ التي ملأت شفتيه وثيابه ويديه، نعم، كان الكهل وكأنه طفل سبعيني وهو يحمل الآيسكريمات ملطخا بها. أضاف بتال بضع جمل تلطفية اعتاد أن يقولها لسيده عبده حتى يلفت ولو القليل من اهتمام الرجل الذي يبدو أنه مستعد لبيع كل شيء مقابل الانتهاء من الايسكريمات، ولكنه أشار لهما فجأة تجاه الدرج والحديقة

  • يا سلام سيدنا هههه طيب يا عم صالح، سيدنا يقصد فلننزل سويا من الدرج نحو الحديقة نتجاذب أطراف الحديث

همس صالح في أذن بتال، عن أي حديث وتجاذب يحكي والرجل لا يكاد يدرك وجودنا، وتساءل مليا عن سر هذا البتال الذي استطاع أن يكون وسيطا بينه وبين هذا الكهل الذي من المفترض أنه والده زوجته، عجبي !

ابتدأوا النزول من الدرج، حاول أن بتال أن يساعد الكهل في النزول ولكنه رفض، ومع الرفض وجه عدة لعقات متتالية متداركا انهيار الايسكريمين، والقطرات تنصب تحته صبا، نزل الدرجة الأول، وهم بالثانية، ولكنه انزلق بسبب بركة صغيرة للغاية من ايسكريم حلاوة القطن، تدحرج الكهل السمين من الدرج دحرجة حرة كما تتدحرج القطنة عبر الهواء، حاول صالح أن يتدارك الوضع، ولكن الدحرجة كانت كلمح البصر.

صرخ صالح:

  • يا الله .. يا الله يا لطيف اتصلوا بالإسعاف الإسعاف اللهم سلم سلم 

ويرد بتّال بهدوء يثير الإعجاب في موقف عجيب مثل هذا:

  • ههههه لا حول ولاقوة إلا بالله، ضميرك حي حتى في موقف مثل هذا، يا أخي المسألة بسيطة: ثري وغد ظالم نال حتفه وهو مستمتع بألذ شي عنده في الدنيا وهو الايسكريم، وزوج ابنته كان يريد منه العون البسيط وجاءه العون الكبير من المعين سبحانه ثروة طائلة باتجاه زوجته لا شريك لها فيه إلا إنت طبعا وبإمكاني المساعدة هههه
  • عز الله إنك حقير !

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة