Caspar David Friedrich – Wanderer above the sea of fog

(( لا تكن باهتًا يا سليمان .. ! كن ذا لون وطعم ورائحة))

أحسست بدفء خيوط شمس الضحى الديسمبري داخل حجرات القلب الأربعة، متسللا باطمئنان وهدوء عبر زجاج نافذتي منزوعة الستائر – وقد طلبت من قسم الصيانة أن تزال منذ سنوات تعييني الأولى في الجامعة- فأنا أحب النوافذ، ولا أطلق مسمى: النافذة، إلا على التي تكون دون ستائر، لا أحب أن أقطع امتداد النور، و أريد أن تتصل أسبابي بأسبابه وإن بالشعور، فأنا ألمس ضوء الشمس الذي أراه الآن على شكل دائرة فوق مكتبي الخشبي العتيق، أضع أطراف البنان عليه، أتحسسه وألمسه وأشعر به ينفذ داخل جلدي، كأنني أحاول الاغتسال به، وهو حقا ما أشعر به في مثل هذه الحالات، ها أنا ذا أستعد لمحاضرة التفاضل والتكامل، أرتشف قهوتي الكولومبية الفاخرة قطرة قطرة، متأملًا كوبي الجديد الذي جلبته من سفرتي الأخيرة لليابان صحبة أم خالد والأبناء، كوب من السيراميك البني الغامق، أتحسس خشونة الكوب، وأدعو الله في خاطري أن يكون يومًا سلسلا ناعما لا خشونة فيه، أحب الرياضات وتدريسها، ولكن هذا الطالب الوغد سعيد ، صار ينغص علي محاضراتي مؤخرًا، وعلى الرغم من محاولات الهدوء والتأمل الذي أحاول من خلاله إعادة التوازن لعقلي، إلا أنه – ورب البيت – سيفقدني صوابي في لحظة ما ولا أدري ما سأفعله به وقتها.

(( لا تكن باهتًا يا سليمان.. كن ذا لون وطعم ورائحة)) تذكرتها اللحظة أثناء تغلغل رائحة القهوة لأقصى نقطة في دماغي، قالها لي جدي رحمة الله عليه يوما ما منذ زمن بعيد، بعد معركة شرسة مع تاجر كان يفاوضه في مسألة بينهما، فأجرى معه بضعة نكات وأدار عدة قصص، فانتهى الأمر بينهما على خير، قالها لي في ذلك السياق، وأنا بين يديه في الثانوية، يا ربي ، كم مرت علي من سنوات، هو إلى رحمة الله وأنا في رحمة الله أحاول النجاة بنفسي، لكن لماذا تذكرت جملته الآن؟ لا أدري، ولكن لكل شيء سبب، وإن ظننا الأمور تجري بلا سبب.

  • دكتور سليمان، أرجوك، أوصيك في الابن سعيد
  • ابنك هو يا دكتور؟
  • لا حول ولاقوة إلا بالله، أنت لماذا لا تطيقه يا دكتور سليمان؟ الولد بحاجة للدعم ويمر بظروف صعبة ولابد نتعاون معاه ، هو ابني بقدر ما هو ابنك، يعني الطلاب كلهم أبناءنا 
  • ماشاء الله.. إن كان أمثاله يمرون بظروف صعبة فأمثالنا في ظروف طاحنة! خاف الله يا دكتور، ابن عائلة لها سطوة ومن أثرياء البلد، وتقول لي ظروف صعبة .. ما يصير يا دكتور
  • يا دكتور .. يا دكتور اهدأ، الظروف الصعبة ليست مرتبطة بالماديات وحسب ، المشاعر كذلك تم…
  • يا دكتور الله يرضى عليك ما المطلوب الان؟
  • الولد سيحضر عندك لدقائق معدودة لينصرف بعد ذلك لموعد خاص لديه
  • والمحاضرة ماهو وضعها؟
  • اعذره يا دكتور وسجله حاضرا
  • ياسلام.. وكيل الكلية يريد مني مخالفة النظام 
  • يا دكتور هوّن عليك، ألم تسمع بفكرة نص القانون وروح القانون؟ الأمر فيه سعة والله تعاون مع الابن
  • أي نعم اطربني اطربني يا دكتور، يصير خير
  • يادكتور سليمان، تعاونك من مصلحتك صدقني، مدير الجامعة مهتم بالطالب هذا جدا، وحادثني صباح اليوم وطلب مني تذكيرك، وأخبرني بأنه بإذن الله بعد تجديد عقدك القادم، ستكون المرشح الأفضل لرئاسة القسم ومؤهلا للزيادة المعتبرة.
  • الرجل يهدد؟
  • لا يا دكتور الله يصلحك، لا تأخذ الأمور بحساسية، هو قصد التذكير بمآلات الأمور الطيبة بحول الله.
  • خير إن شاء الله.

مشكلة رئيس القسم الكبرى في حياته أنه جبان رعديد، لا يملك قرار نفسه، إمعة، تبع في كل شيء، وهو خائف أشد الخوف من مدير الجامعة، رجل يوصل أبناء رئيس الجامعة للحضانة، بالله ماذا أتوقع منه؟ هذا وهو حاصل على شهادة للدكتوراه في العلوم السياسية، سياسي والله، ولكني والله لا أدري من أي بقّالة حصل عليها، ولكن فليذهب إلى جهنم هو ورئيسه الأجبن منه، لن أفسد مسيرة تمارين التأمل والهدوء التي بت معتادًا عليها مؤخرا، أنا أجد نتائجها المباشرة في صفاء يومي وروحي، سأكمل قهوتي وأذهب لدرسي بكل استمتاع وهدوء، سآخذ الآن نفسا عميق وسأشعر بالهدوء، شهيييق، زفييير، حمدلله، وها أنا ذا في القاعة المدرجة التي أحبها، ها هم الطلاب متراصين، أحب التدريس والله، لكن الطلاب مؤخرا في واد والعلم في واد آخر، إلا من رحم ربي، ومنهم سعيد هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله ها هو داخل علينا بكل استهتار وتبجح، المصيبة أن عميد الكلية حينما كلمني عنه اليوم، كأنه يتناسى كل ما يعرفه عنه من فهلوة وقلة أدب وتعال واستكبار على زملائه وعلى دكاترة الجامعة، يهزأ بهم جميعا، لأن في أرصدة أبيه مليارات والكل خائف من معارف أبيه وثروته وكأنه هو الخالق الآمر الناهي والعياذ بالله، هزلت ثم هزلت، سأبدأ الدرس بكل هدوء ولا علي منه ..

  • يا دكتور سليمان، ماهي فائدة علم الرياضيات؟ هل يجيب فلوس؟

فار الدم في رأسي، وشعرت برغوة الدماء في مخي من قوة الفوران وامتزجت ببقايا القهوة الكولومبية التي ترسبت ضحى اليوم في دماغي، قاتله الله لم يدعها تستقر، والله أشعر بالغليان حقا على الرغم من كل شيء، وهذه مصيبتي، الطبع يغلب التطبع، رغم كل تمارين التأمل، استهبال واحد تافه ضئيل مثل هذا يقلب مزاجي رأسًا على عقب، تبا له ولأبيه، هل الغضب شر على الدوام؟

  • ها يا دكتور؟

أنا أغالب الانفجار الكبير، ولكل فعل ردة فعل، وهذا التافه لم يترك لي مجالا للهدوء بشعره المدهون المتطاير هذا، ولن أصبر أكثر من ذلك، خصوصا وهو يمضغ العلك أمامي بهذه الطريقة المستفزة كالمراهقات ويمزمز في الماتشا الخضراء بكل نعومة، واضعا رجلا على رجل بحذاء الحمام الأزرق هذا، حذاء حمام يأتي به للجامعة، والله هزلت!

  • اسمع يا حيوان .. 
  • ايش ايش ما سمعت يا دكتور !
  • أقول: اسمع يا حيوان، إن لم تتلق التربية الملائمة عند أهلك، فسوف أربيك هنا
  • لا ترفع صوتك ولا تغلط يا دكتور ، تعرف أنا ولد مين؟
  • تصدق؟ ما تستاهل يتم تفهيمك شي يا حيوان، اطلع للخارج الان، برة يا حيوان !
  • يا دكتور لا تغلط
  • برة يا حيوان

لن أبالغ إن قلت أنها أعظم لحظة في حياتي الرتيبة، وألذ شعور هو ما أحس به الان، نشوة روحية لا توصف وكأنني ملكت العالم، خصوصا وأنا أرى هذه التعابير المصدومة على وجه هذا التافه، يالها من متعة لا يمكن أن توصف، أشعر بالأدرينالين موزعا في كل خلية من جسمي، نشاط ونشوة فرح عجيبة، وأجمل ما في الأمر أن هذا التافه يخرج الان كالهر الذي يفر من تحت إطارات سيارة مسرعة كادت تدهسه بالكامل ولم تلحق منه سوى الذيل، ها هو الان يخرج كسيرا جريحا كهر فقد ذيله للتو، كالحيوان فعلا..

وها أنا ذا أسمع صوت جدي ينبعث مجددا من الأعماق :

(( لا تكن باهتًا يا سليمان .. ! كن ذا لون وطعم ورائحة ))

فهمتك الان يا جدي الفخيم، عليك رحمة الله 

وها هو الجبان الرعديد، وكيل الكلية، يعاود الاتصال، من المؤكد أن التافه ابن التافه اتصل عليه مشتكيًا على الفور :

  • يا دكتور سليمان والله العظيم ما حصل لا يصح لا يصح لا يصح !
  • ما الذي حصل يا دكتور ؟
  • هل تعلم أن الولد اتصل علي وصوته لا يكاد يسمع من فرط البكاء
  • يا لطيف ! (والله شعرت بمتعة عظيمة حينما أبلغني بذلك)
  • لماذا تطرد الولد بهذه الطريقة؟
  • لأنه حشرة تافهة
  • أنت تلقي بنفسك إلى التهلكة يا دكتور، ما أستبعد أن يتصل علي في أي لحظة رئيس الجامعة
  • يا رجل رئيس الجامعة أجبن منك، لا يقدر أن يتصل عليّ مباشرة حتى! جبناء بعضكم من بعض
  • ها هو الآن على الانتظار في الجوال ، سأرد عليه ابق معي يا دكتور
  • رقمي عندك، اتصل علي إذا انتهيت مع بابا عمو رئيس الجامعة!
  • وضعك صعب يا دكتور عافاك الله!

أغرب ما في الأمر، أن الحالة الحاصلة فوضوية للغاية، والاحتمالات كلها في منتهى الدمار والسوء، لكن مكمن العجب أنني لا أجد بداخلي أدنى ذرة من خوف ولا أحس بأي اضطراب بل على العكس من ذلك تمامًا، صحيح أننا قوم تناقل الناس عنا أخبار الشجاعة والبسالة منذ أيام جدي السابع، ولكن الطبيعي أن أشعر ولو بذرة من الخوف في موقف مثل هذا، ولكن ويا للجمال والروعة، لا أحس إلا بطعم للحياة لعلي أتذوقه للمرة الأولى في حياتي، طعم بديع بديع لا مثيل له، لو قيل لي ما هي رسالتك في الحياة، لقلت أن أعيش كل ما قد عشته حتى أصل لهذه اللحظة الحالية بعد القيام بتصرف مثل الذي بدر مني تجاه هذا التافه، إن كانت الجائزة هي الشعور بما أحس فيه الآن، أشعر وكأن كل مجريات حياتي كانت تحضيرا لهذه اللحظة الخالدة، كل شيء صار ممتلئا بالمعاني والألوان والحيوية والجمال، أشعر بأنني مقتدر على غزو العالم كله والسيطرة عليه دون مبالغة، هل كل هذا من نتيجة القهوة الكولومبية، أم أنني حقًا أحس بهذه الأحاسيس التي أحس بها، وها هو يعاود الاتصال هذا الجبان 

  • الله المستعان يا دكتور، الرئيس انفجر غاضبا علي وعليك
  • مع نفسه
  • اسمع اسمع لو سمحت، قال لي أن أبلغك بالحرف: لا مكان لك في الجامعة بعد اليوم، عقدك لن يجدد، ديسمبر هو شهرك الأخير، والد الابن سعيد الذي تسميه تافها هو وأبيه، سيقاضيك قريبا على ما فعلت بابنه
  • والله هذه الأخبار الجميلة
  • المعذرة يا دكتور، ولكن يبدو أنك جننت بحق
  • ممكن والله، في أمان الله يا جبان 

خرجت من الجامعة وأنا في هذه المعمعة العجيبة من المشاعر المتطرفة السعيدة الاستثنائية التي أحس بها، لا أعرف لها وصفا ولا أجد لها تفسيرا، ولكنني انطلقت مباشرة من الجامعة إلى البحر، بعد أن صليت العصر جوار الشط، ولا أبالغ كذلك إن قلت بأنها أكثر صلاة شعرت فيها بقربي من الله، شيء عجيب.

ها هي أم العيال تتصل بي، وستعيدني للواقع بلا شك:

  • سلام عليكم يسعد مساك حبيبي أبو خالد
  • وعليكم السلام يا زينة الدنيا
  • الله الله، من زمان ما دلعتني يابوخالد، ما هو السر
  • أبدا مافي سر، لكني خرجت من الجامعة للبحر، سويعات وأرجع بإذن الله
  • خذ راحتك يا غالي، لكن اتصلت عليك أذكرك ، مدرسة خالد وعمر اتصلوا فيني وذكروني بموعد دفعات المدرسة حلّ وقتها
  • أبشري خير بإذن الله
  • أنت طيب يا بوخالد صح؟
  • بأفضل حالاتي ، سويعات وأنا عندك، توصيني بشي؟
  • سلامتك الله يحفظك

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة