نوڤيلا تنتهي منها في ساعة ونصف أو ساعتين، أول انطباع تحسّه بعد أن تفرغ منها هو شعور الأسى المهيب الغامض تجاه الاختيارات التي اندفع تجاهها الإنسان الممتلئ بالشعور الصادق، لا سبيل للعقل معه، هو محض الشعور الحارق الدافع نحو القرار، ثم التأمل آخرًا من على سفح جبل تجاه المشهد الأخير بالتقاطة شاملة :
(( حينما أشهد البداية البرّاقة لقصّة حبّ، حينما أرى شعورًا اعتياديًا يتسامى، ليصبح جمالا بقوّة الخيال، والسّماحة، وشجاعة الشّباب المتقدة، يتناهى إلى مسمعي من جديد تلك الشكوى الغربية التي نطقتها امرأة محتضرة في هدأة الليل، مثل اعتراف للرّوح: “لمَ يجب أن أموت هكذا، وحيدةً مع عدوّي الحميم؟!” )).
شكسبير حاضر في الوعي التأسيسي لهذه المؤلفة، وجاء ذكر مسرحية الملك لير وهنري الثامن وريتشارد الثاني والملك جون، عرضيًا وداخل السرد المنساب، ولن تتعجب من ذلك حين ترى إحدى صور المؤلفة الأمريكية الڤيرجينية ذات الأصول الويلزية، ها هي الصورة:

أحسن المترجم في اختيار ترجمة عنوان هذه الرواية القصيرة ( My Mortal Enemy ) ، يقول في مقدمته :
(( لا أميل إلى كشف الحدّوتة عند حديثي عن الرواية، احترامًا لرغبة قسم كبير من القرّاء الذين يفقدون متعة القراءة، لو عرفوا الحبكة، مع أنّني أعدّ الحدّوتة والحبكة عنصرَيْن غير محوريَّيْن في أيّ رواية عظيمة كلُّ ما أريد الإشارة إليه هو أنّ كلمة “الحميم” في العنوان هي أقصى ما يمكن للّغة العربيّة أن تقدّمه لنقل كلمة “mortal” (العنوان الكامل إذ لا تملك اللغة العربيّة التّنوع الذي تحمله الإنكليزيّة في هذه المفردة تحديدًا. ففي الإنكليزيّة تتّسع دلالات المفردة، لتشمل معانٍ متناقضة أحيانًا: قاتل، مميت، لدود؛ وكذلك قد تعني:فاني؛ وعنوان الرواية يحتمل معنَيَي “الحميم” و”الفاني” في آن، ولكنّني اكتفيتُ ب “الحميم”، بحيث تبقى الدلالات الأخرى ضمنيّةً. كما أنّ اختيار اسم راوية الأحداث هنا، “نيلي بيردزآي” حركة بارعة من كاذر، فمعنى”بيردزآي” (Birdseye) هو “عين الطائر”، حيث نبدو وكأنّنا نشاهد فيلمًا سينمائيًا من أعلى، مُلمّين بالتفاصيل كلّها))
أكثر ما علق في ذهني من هذه النوڤيلا، الأوصاف البسيطة التصويرية التي تنساب معك دون أن تشعر، هدوء في الوصف سريع دون تكلف يضعك في المكان حتى تتصوره بشكل واضح لترى وتسمع وتحس كما أرادت المؤلفة أن توصل لك الشعور تمامًا، خذ مثلا:
(( عند الزاوية، تجد عجوزًا يبيع أزهار بنفسج إنكليزيّ، يربط كلّ باقة في ورقِ شفّاف، ليحميها من الثّلج. وهنا، كما أحسستُ، لم يجلب الشّتاء أدنى وحشة؛ كان مروَّضًا، مثل دبِّ قطبيّ مربوطِ بلجامٍ بين يَدَي سيّدة جميلة)).
هنا وصف للشتاء الدافئ الشعور، بطريقة فريدة، وخذ مثالا آخرا هنا حينما تصف الصوت، صوت الشخصية الرئيسية ، فيغدو الصوت كائنا له خصائص واضحة فريدة :
(( وحينما كان كلُّ ما تفعله هو مجرّد ذكْر اسم شخص ما تحترمه، سيغمر المرءَ انطباعٌ مباشَرٌ بأنّ ذلك الشخص رائع بلا شكَّ، إذ كان صوتها يُسبغ على الاسم نوعًا من النعمة المتألّقة. وحينما كانت تحبّ أشخاصًا، فإنّها تناديهم بأسمائهم الأولى مرّات عديدة وهي تكلّمهم، و كانت تنطق الاسم، أيًا يكن مدى شيوعه واعتياديته، بطريقةٍ ثاقبة، من دون أَن تتعجّل به أو تُدغمه، فلا يُفهم؛ وكان لهذا التَّصرّف, حين يترافق مع تحديقتها الصّريحة المتفرّدة، تأثير غريب. وحينما كانت تخاطب الخالة ليديا مثلاً، تبدو حينها وكأنها تخاطب شخصًا يقبع عميقًا وراء الصورة الضبابيّة المُسلَّم بها التي تمُيِّر خالتي التي أراها يوميّا، وللحظة تصبح خالتي أكثر تفرُّدًا، وأقلّ اعتياديّةً بالنّسبة إِليّ. ولقد لاحظت هذا التأثير الفريد لنظرة مايرا وأسلوب ندائها مذ لقيتها أوّل مرّة)).
فالحقّ أن أكثر ما لفتني لهذه الروائية هو مثل هذه الأوصاف الفريدة ، ولو كنت سأقرأ لها أعمالًا أخرى فمن أجل هذا، ولأجل تناولها بالنظر العميق المهيب الواقعي عبر وصف سردي هادئ لأصفى المشاعر والمعتقدات الإنسانية وعلاقتنا بها، مثل الحب والدين .




أضف تعليق