اختلطت كل الأمور فجأة على (سابح الطيار) ، كما تسقط الإمبراطوريات في غفلة من الزمان، تداخلت عليه شؤونه، فلم يدر كيف يصدرها أو يوردها، ومكمن العجب لديه أن الأمور عنده كانت غاية في الانضباط من حيث خطط الحياة أو أنشطة المعيشة، أو هكذا كان يظن، إلى أن مر بذلك الموقف الذي أظهر له حقيقة حاله، والمرء قد يعيش عمرا يظن في حاله ونفسه شيئا، والواقع ليس إلا شيئا آخر ما كان ليخطر له على بال.

ابتدأ كل شيء لحظة توقفه عند المقهى بجوار منزله نحو الطريق إلى عمله، صباح الثلاثاء، قبل أن ينطلق، نزل ليأخذ قهوته، ألقى السلام المعتاد، ولكنه لم يتلق ردا، لعل العامل لم يسمعه، هكذا حدث نفسه فأعاد النداء بصوت أعلى، مرة واثنتين، دون أدنى استجابة، ظن في الأمر مزحة معتادة، فلطالما ابتدر العامل بمزاحه كل صباح، ولكن الأمر كان غاية في الجد، حيث دخل زبون آخر، وتجاوزه للطلب كأنه لا كائن آخر يقف للطلب، كان محافظا على تماسكه ولم يضطرب، فحتما في الأمر خطأ ما، خرج من المقهى نحو الشارع، ها هو حارس عمارة مجاورة، ينظر إليه، ويفكر لحظتها في أن ينادي عليه بأعلى صوته محاولا اكتشاف هذه الحالة الفريدة، وينادي بأعلى صوته: يا محمد! يا محمد! ويكمل العامل تجواله حول العمارة دون أن يبدي أي علامة على أنه سمع صوتًا، ولحظتها، استبدّ القلق حقا بسابح الطيار.

ركب السيارة وقد انتهى من كافة الأذكار الواردة في حصن المسلم، ليس مرة أو مرتين، بل أعادها ثلاث مرات من شدة الهلع الذي أصابه، والرجل لم يخبر في نفسه خفة أو قلق، بل كان ممن يوصفون بالثقل والرزانة، لكن الذي أصابه لم يكن هينا، هل صار شبحا غير مرئي؟ أم أن في الأمر سر لم يظهر بعد؟

ها هو هاتفه النقال يضيء باتصال جوهرة حياته كما يظهر من نور اسمها على الشاشة المخدوشة من أطرافها، يحرك إصبعه المضطرب للإجابة عليها، ويهتف: السلام عليكم يا حبيبة القلب السلام عليكم ألو ؟ ويا للحسرة التي أصابته، صارت هي بدورها تكرر اسمه مرة واثنتين وثلاثة، وكأنها لم تسمع استغاثات المسكين بها، وهي لم تسمع شيئا بالفعل، استمر محاولا النداء، حتى أغلقت في وجهه، لا رغبة ولا إرادة منها لرفضه، بل لأنها لم تسمعه. 

أغرقته الأفكار والتحليلات، يحاول الفهم والاستنتاج، ظن أنه قد مات، فلا تفسير آخر يوضح ما حدث، صار يدور بمركبته حول الحي كالمجنون دون وجهة، قرر أن يذهب لمقر عمله لزيادة التحقق، وتحسف على الذهاب، فالمسألة تكررت معه و الوقع عليه كان قاتلًا هذه المرة، فعند وصوله لمكتبه، لم يتعرف عليه أحد ولم يتجاوب معه كل من حاول التفاعل معهم، من المدير أو الزملاء، خرج مغاضبا، ينادي في الظلمات، يردد ألا حول ولا قوة إلا بالله، صار يتساءل عن الذنب الكبير الذي أحدثه رغم أنه من المؤمنين بالله، فلماذا يحدث معه ذلك؟ صارت هواجس التساؤل عن المعنى والسبب غالبة عليه، وارتداداتها على أسئلة الإيمان مؤثرة في اضطراب نفسيته، احتار في أمره واقترب من الانهيار، حتى تذكر أمه وأبيه، بعد أن حاولت صاحبته التي تأويه أن تتصل عليه دون جدوى أو إمكانية للوصول، فلا مجال إلا العودة للنبع، الوالدين، وها هو يفتح الباب، والدته في الصالة متكئة على الأريكة المعتادة، وصوت القارئ عبدالله خياط يملأ الأرجاء بسكينة لم تؤثر فيه بسبب الزلازل والبراكين التي تضطرب وتموج بداخل روحه، ينادي بكل ما أتاه الله من حزن وانكسار: يا أمي .. يا أمي .. وقلب الأم غافل عنه لا يستجيب، افترت دمعة واثنتان ، لم يتمالك نفسه فانهالت الدموع تصب صبا، وذرع الممر نحو غرفة أبيه لعله ينجيه مما هو فيه من الكرب والبلاء العظيم، وها هو مستلق على السرير، ينادي يا أبوي .. يا أبوي أدام الله عافيته عليك بحق الله أن تجيب علي، ولا حياة لمن ينادي المسكين، فلا وجود له بالنسبة لهم، لا استجابة ولا رد، ووصل لتلك الحالة التي يتوقف فيها الدمع لا لأن الحالة لا تستدعي البكاء، بل لأن قوة الصدمة لا تكفيها الدموع. نظر سابح في السقف وكأنه قد بدأ يفقد الأمل، وكأن عقله قد ابتدأ يغرق من هول الأمر، خرج من منزل والديه وهو يردد دون وعي منه، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ياربي ما الذي يجري؟

ينصت فجأة لأذان الظهر المنبعث عن الجامع الكبير جوار منزلهم، الله أكبر الله أكبر، يستمع للأذان دون إنصات، صوت المؤذن غاية في الجمال، يردد خلفه الكلمات دون وعي ودون خشوع أو تأثر، يردد خوفًا وفزعا، لأنه ابتدأ يقتنع بأنه ربما سقط سهوًا في يوم المحشر، ينزل من المركبة متجها للجامع، يريد أن يستدرك وضعه إن كان في الأمر كبيرة لا يدري عنها، وإن كان الوقت متأخرا، لكن لا بأس، كان يهذي مع نفسه، وفجأة يسمع من يناديه: يا شيخ سابح .. يا شيخ سابح، يلتفت نحو الصوت، ليكتشف أن من كان يناديه هو جارهم إمام المسجد، كاد يخر من فوره إثر الصدمة التي أصابته، رد عليه: تراني يا شيخ؟ بالله عليك تراني؟ وشيخ جامعهم يضحك بابتسامة وضّاءة: بكل تأكيد أراك يا شيخ سابح، مبكر اليوم ماشاء الله، فتح الله عليك.

(( يا ساااااااااااااابح .. يا ساااااااااااااابح قم )) 

فتح عينيه على وجه مصباح حياته زوجته الحبيبة، وانجلى كل شيء، أخبرته بأن نومته الثقيلة أقلقتها عليه، وكانت على وشك طلب الإسعاف، فهدأ من روعها، وهو من كان بحاجة للتهدئة وقتها، فما كان باستطاعته أن يحدد: هل نومته كانت يقظة ويقظته الآن نومة؟ لم يستطع أن يفهم أو يستقر وجدانه، جسمه ثقيل للغاية، لم يستطع الحراك، قبلته زوجته وطلبت إليه ألا يتحرك حتى تجلب الفطور له عند السرير، الذي فجّر فيه الدهشة والخوف والعجب عناوين الكتابين الموضوعين على الطاولة بجواره، تذكّر أنه قد استغرق في قراءتها أيامه الماضية: مسرحية تاجر البندقية لشكسبير، والكتاب الآخر يوميات هرتزل. 

هيّا يا حبيبي ، قم وتناول فطورك

حسبي الله ونعم الوكيل، لا أظن السبب شكسبير، أغلب الظن أن الأمر كله بسبّة هرتزل اللعين!

ماذا؟ لم أفهم عليك

لا عليك يا حبيبتي يا عليك .. قربي مني اللبنة والزيتون !


اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة