عبدالجبار أبو شنب، لا يعوزه الفهم ولا تنقصه الحكمة، إن جالسته لدقائق معدودة، ستدرك أنك بصحبة موسوعة استثنائية في فهم النفوس والأفكار وقولبة الأمور وتصنيفها، هو رجل التعليب والملصقات الجاهزة، لتسهيل الوعي وتيسير التواصل كما يشرح لتلاميذه طلاب الحكمة، فهو – كما يقول – مستطيع في ثوان معدودة ومن خلال النظر وحده أن يحدد طبيعة الإنسان الذي يراه، أهو طيب أم شرير، مثالي أم واقعي، منقبض أم منبسط، وقس على ذلك من التصانيف ما أنت به عليم وما لست بمدرك له لقصر في الحكمة عندك أو في تجارب الحياة مما لا توفر له إلا عند عبدالجبار أبوشنب. 

وإن أصررت وأبيت ولم ترد إلا أن تتصور الرجل على طبيعته، فبإمكانك أن تتخيله طويلا دون الطول المبالغ فيه، وقصيرا أطول من القصر المبالغ فيه، مهلهل البطن دون ارتخاء، باتزان وتناسق بين الشحوم والعظام، فلا يكون بإمكانك أن تقول أهو منتفخ أم نحيف كالعصا، فهو بين هذا وذاك، بحسب اليوم والسياقات، لا هو بالأسمر شديد السمرة، ولا الأبيض شديد البياض، ولعلك الآن قد ازددت ضيقًا وتوترا إزاء هذا الوصف الذي يقول كل شيء ولا يقول شيئا، ولكن ما هو الوصف الأقرب؟ هذا هو المستطاع، وأقصى ما يمكن قوله، وأوضح الأمور فيه، شنبه، نعم، شنبه الطويل العريض المرفرف المستقيم، هو أبرز ما يميز عبدالجبار، حتى صار لقبا له، وهو يعتز بشنبه هذا ويفتخر، إذ أنه يشبه المسطرة الخشبية الشهيرة العتيقة أم سيف نحاس ذهبي والتي يستخدمها البعض في الخياطة وبعض المدرسين المعاتيه قديما – وحديثا – في بعض ممارسات العنف التربوي، فباختصار، كان شنب الرجل مثل هذه المسطرة، وهو سعيد بذلك، لأنه كان يمارس التصنيف والتحليل كما تمارسه هذه المسطرة، فهو رجل يقايس ويحدد بالضبط، ويعطي كل ذي حق حقه.

على كل حال، ها هو صباح الأحد، متجه لرفيق دربه مشتاط الأمعط، مالك مجموعة البحر الأزرق للملابس الداخلية، وقد دعاه لمشاركته في اختيار مجموعة من المرشحين للتعيين في مناصب بفرع شركته الجديد في مدينة الرياض، وهذا هو الفرع الأضخم لشركته الصاعدة في سماء المال والأعمال والسراويل الساترة، حيث تتوزع أفرع شركته جميع أنحاء المملكة، ماعدا الرياض، وهذا غريب بحق شركة في حجمه، لكنه قرر أخيرا المجيء للمركز، ولا أفضل من عبدالجبار أبو شنب حتى يعينه في اختيار رؤساء الأقسام المتعددة اللازمة: من مالية وقانونية وموارد بشرية وتقنية للمعلومات، فالشركة ضخمة وعدد الموظفين فيها يتعدى الألف، والناس بحاجة للستر، وليس لها إلا عبدالجبار.

وصل إلى برج الشركة على شارع الملك فهد، الدور السابع، القاعة رقم (صفر صفر صفر)، وجد صديقه المشتاط، فشرح له المطلوب منه، سيكون متفرجا في الزاوية، متأملا كل واحد من المرشحين، منصتا متأملا في الأجوبة، حتى يقلب في عقله جواهر أرواحهم ويستخرج معناها ومن ثم يقوم بتعليبها وفرزها، وقد ابتدأ الفرز.

انتهت المقابلة الأولى مع المرشح للإدارة المالية، وقد سأله مشتاط عن رأيه :

-ما قولك في هذا الرجل؟ أهو مناسب لإدارة الأموال والميزانيات؟ 

-والله لا أظن باستطاعته أن يدير عزبة دجاج ناهيك عن شركة معظمة للسراويل كشركتكم الموقرة، ألم تنتبه لارتجافة رجليه عندما توتر؟ صدقني هذا من أكبر الدلائل على أنه سيبيعك لهيئة الزكاة والضريبة عندما يباغتونك يوما ما.

-طيب يا عبدالجبار، نريد من يعيننا في تطبيق النظام، من قال لك أننا سنضرب قوائم مزيفة؟ أمورنا كلها في السليم مثل شنبك المستقيم.

-نعم نعم يا صديقي، الفكرة أنك محتاج للأسد الهصور الذي لا يرتعد، لا إلى هذا الدجاجة المسكين.

ثم خرج مرشح الموارد البشرية بعد أن امتلأ وجه بالفراشات والعصافير، ظنا منه أنه الأوفر حظا بالقبول:

-طيب وما رأيك في هذا العصفور؟ يبدو لي أنه الأجدر بإدارة الموارد البشرية.

-أضحك الله سنك، والله إن كنت تريد أن تقلب الشركة لعزبة من المعاتيه، فأنت وذاك، ولكن لا تقل لي أني لم أنبهك

ما قصتك مع العزب؟ عزبة دجاج، عزبة معاتيه، ما القصة؟ من أي عزبة ولدت يا صديقي؟

-هذا هو الواقع

-طيب لماذا تراه معتوها؟

-ناهيك عن انفراط قدراته العاطفية الظاهر من عينيه الواسعتين الشاعرية وعدم اقتداره على التحكم في مشاعره الظاهر جليا في وجهه الدائري، فقد ارتسمت حديقة غناء في وجهه بعد انتهاء المقابلة، صدقني، هذا وجه أعرفه جيدا، أمه كانت تعنفه في طفولته، ألم تر إلى نحف أصابعه وانقباض أذنيه نحو الداخل؟ أنت لا تريد طفلا كبيرا فاقدا للحنان حتى يدير الموارد البشرية في شركتك، هذا طفل كبير معتل، لا يمكن!

-يا أخي كلنا ذاك الطفل المعتل، عجيب أنت وأحكامك

-اقتطعت لك من وقتي وجهدي واخترتني لثقتك بي ، فلا تكثر المراجعة معي!

-تمام تمام!

وبالفعل كان مشتاط الأمعط ممن يسيطر عليهم ويؤثر فيهم عبدالجبار أبو شنب بسطوة شنبه، كان مقنعا لا جدال في ذلك ولا ريب، وكل حرف ينطقه يشعرك بأنه حرف سماوي مقدس لا يقبل التأويل والتبديل، ومشتاط يؤمن ويسلم له مباشرة، وقد فرغ من مقابلة المرشح للإدارة القانونية:

-هذا والله ممن في سيماهم أمارات الخير والفلاح.

-يسهل خداعك ياصديقي، ذكرني بأستاذ حلقة التحفيظ وأنا في المرحلة الابتدائية

-ولماذا يسهل خداعي طالما أنه ذكرك بمدرس تحفيظ للقران، أليس في هذا الخير؟

-ألم تر كيف اقتلع منابت الشعر في موضع الشنب عنده من جذورها مخففا شعر اللحية والعوارض مقصرا لها؟ نصيحتي لك إلى أبد الآبدين : احذر هذا النوع ! خصوصا وأن عينيه ضيقتان ورأسه بيضاوي، ثعلب لا شك في ذلك، ولا تلم نفسك إن انقلب عليك يوما ما وبلغ عنك لدى هيئة الفساد.

-أعوذ بالله منك، أنت في جهة وحسن الظن في جهة أخرى، ما هو إلا أخوك المسلم، ولا أدري والله لماذا تفترض طوال اليوم أنني فاسد نصاب، نحن نترزق الرحمن بما يرضي الله.

-هههه صدقتك يا صديقي لا تزعل، والمسألة ليست حسن ظن أو سوء الظن، صدقني لو كانت لحيته أطول من هذا القصر المريب مع الشنب الأملط، لجعلته إماما لي في سائر شؤوني، ولكن والحالة هذه؟ كلا.

بدأ اليأس يدب في الأمعط، شاعرا بأن جهودهم في التنقيب والفرز والاختيار مدة أشهر ضاعت هباء، حتى دخل عليهم مرشح الإدارة التقنية، وباغتهم جميعا بأن جعلهم في موضع المُساءلين لا السائلين:

-أين هو عبدالجبار أبو شنب؟

اهتزت شوارب عبدالجبار، حتى كأنك تشعر بقماش الستائر المجاورة تهتز من انتفاضته :

-ألا ترى هذا الشنب المهيب أمام ناظريك أيها المغفل؟

ارتبك صديقه الأمعط من هذا التصعيد المفاجئ في اللهجة، لكنه انقلب لصدمة كبرى بعد أن توالى سيل الهجوم المباغت من هذا المرشح التقني العجيب :

-الحق أقول لك يا صاحب الشنب، أنت تافه لا معنى لك، تتجاسر على كل من هم أعلى منك منزلة ودينا وثقافة وخلقا بهذه الملصقات التحليلية المجانية التي توزعها وصناديقك التفسيرية البائسة التي تحشرهم فيها ظنا منك أنك عبقري، وما أنت إلا ضائع بائس مسكين تخفي داخلك خوفا لا حد له، أنت منعدم الشخصية رغم انتفاخك الفارغ، من خلالك وحدك تنهار الحضارات وتتفكك الإمبراطوريات وتسقط الدول، لأنك مزيف متعلق بشنبك العريض البائس، أتريد أن أثبت لك يا مشتاط الأمعط أن صديقك عبدالجبار أبو شنب ذليل ليس له إلا الشنب، وأنه يسهل اختراقه من كل الأعادي، وأن الذكاء الصناعي أقرب للصدق والحقيقة منه؟

هز مشتاط الأمعط رأسه بالموافقة وهو مرعوب ولم يفهم شيئا

-اخرج جوالك والتقط صورة ثنائية مع هذا اللاشيء بجوارك، وانظر ماذا يتبقى لك منه.

وبالفعل، اخرج الرجل جواله ليلتقط الصورة، ولم يجد جواره أحدا، كل الذي وجده، شنب عبدالجبار، ساقط على الأرضية جواره، كامل عريض مكتمل لم تنقص منه شعرة.


اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة