
The Tower of Babel by Pieter Bruegel the Elder (1563)
طحلب يحسب نفسه نخلة
صالح وصالحة، شقيقان توأمان، لكن صفاتهما تشير لأنهما من قارتين مختلفتين، هو أستاذ جامعي في الفيزياء النظرية، وهي نائبة للرئيس التنفيذي للعمليات في شركة كبرى. هاهم اليوم يجتمعون على الغداء في منزل أمهم التي ابتهجت بمجيئهما، وسكبت في صحن كل واحد منهما الملوخية التي يحبان ووضعت أمامها طبق الكبسة المفضل استدراجًا لصالح بالذات كي ينهي الملوخية بحسه العلمي الدقيق ثم يبدأ في الكبسة، أما صالحة فانقضت بشراهة على الملوخية حتى أضحى الصحن قاعًا صفصفا، وبعد أن فرغت من الملوخية والتقطت أنفاسها، انتبهت أن صالح أبطأ من المعتاد.
- سرحان يا صالح اليوم، غريبة.
- الذهن مشغول بمعضلات العلم، لا بالقيل والقال والمكايدات كعادتكم على خشبة المسرح.
- أعانك الله على نفسك، وأخرجك من ضلال المثالية لنور الواقعية يا آينشتاين
وهنا غردت الأم كعادتها بالدعاء لهما أن يزوجهما الرحمن ويملأ حياتهما بالسرور، لترد عليها ابنتها صالحة بالرد المعتاد: لكل زمان مشكلاته يا أمي الغالية، الزواج كان نعمة في أيامكم، هو نقمة الآن، ومن الخير أن يكون الإنسان عمليا ليجلب الخبز في مائدته، وترد عليها الأم بابتسامة الرضا المعتادة: لم تخلُ مائدتي من الخيرات يومًا منذ وفاة المرحوم والدكم وأنا على سجادتي أدعو لكم، تردف ابنتها قول أمها بقبلة عملية سريعة .
- ما الحاصل؟ تنازل لنا وخبرنا ، مهما كان أنت شقيقي، وأعرفك حينما يتكدر خاطرك المتكدر خلقة
- متأكد أن هذا اللسان السليط رافع من أقوى روافعك نحو المنصب.
- رازقنا في السماء وحسادنا في الأرض، الحمدلله، أنت عالم، وتعلم أن الله سبحانه لا يلعب النرد كما يقول صاحبكم.
- يا شينك حينما تدعين المعرفة.
- اخلص يا صالح، خبرني ماذا حصل.
تنهد صالح، واستجمع الواقعة الممضة التي أرقته، حاول اختصار المسألة لشقيقته: يقول إن التفكير أرقه لسنوات، حول مسألة انعدام بروز النماذج الموهوبة من طلابنا، متسائلا: لماذا لا يكون آينشتاين الجديد فرد منا؟ هل ينقصنا شيء؟، فأوصله التفكير لبحث محكم فيه خطة عملية لصناعة أجيال مقبلة من العلماء العباقرة المحتملين، حاولت أن تفهم منه جذر المشكلة
- لقد قاموا بالتعديل على بحثي
- هل صار البحث فاسدا؟
- لا، التعديلات نافعة ولكن الملف يخصني !
- ألا تريد إصلاح التعليم؟ أم أنك تريد أن يقال أن صالحا هو من أصلح التعليم؟! لا أحد يمنعك من التبحر في أبحاثك العلمية الحقيقية بعيدا عن الحديث حول أساليب التعليم، هيا، سأعود الان للعمل، هناك قضايا حقيقية تنتظرني ،أشياء تنعكس على حياة الناس.
أغلقت الباب وراءها، وبقي صالح مع أمه قليلا، دعت له، وانطلق نحو معمله في الجامعة.
تأمل في حاله، تذكر أنه أمضى خمس عشرة سنة دون بحث أصيل في الفيزياء النظرية، فكأنه تنبه لشيء لا يريده، هو يريد – كما أفصح لصالحة في طفولتهما- أن يكون عالما حقيقيا، لكن الوضع الآن لم يعجبه، حاول أن يفتش في ذهنه عن فكرة، أو بصيص فكرة، لكنه لم يجد شيئا، استمر على هذا مدة ثلاثة أشهر، انشغل خلالها بمراجعة بحوث طلبة الدراسات العليا، يقول عن كل بحث أنه باهت أو مكرر أو مُلِئ غرورا وادعاء وأنه لا يوجد بحق من يفهم معنى الفيزياء النظرية في البلد كما يفهمها هو، حتى مرّت عليه ورقة لطالب من الذين لا يرسخون في الذهن، شده موضوع البحث ، كان حول مسألة عويصة في افتراضات الجاذبية الكمومية ، حين جاء موعد الجلسة مع الطالب، سأله عن اسمه بنبرة استهزائية: ما اسمك؟ ذعار يادكتور، اسمي ذعار، يا شيخ ذعار هنالك أخطاء ضمن بحثك لا يرتكبها طالب في المرحلة الثانوية ، نورني يا دكتور، فحاول أن يخفف وقع كلماته على الطالب قليلا بأن ذكر له إمكانية تصحيح الأخطاء التي في ورقته لتصبح قابلة للتطوير،وهكذا استمر مع طلبته وبحوثهم، ولم يعلق في ذهنه شيء من هذه الفترة سوى بحث ذعاريعاوده بين الحين والآخر بمرور الأسابيع، حتى مل من الجامعة ومن طلبتها وفق تعبيره مرة من المرات لأخته، وأعلن لها أنه بصدد نشر ورقة علمية انشغل بها طوال هذه الفترة وانتهى منها مؤخرًا فباغت المجتمع العلمي الجامعي والمحلي ببحث يقارب فيه مسألة الجاذبية الكمومية من منظور جديد قام بنشره عبر مجلة علمية مرموقة، فراق الأمر للجامعة ، وانتشر اسم صالح كعقل نابغ بدى لهم أنه سيرفع اسم الجامعة عاليا، ولهذا قرر ألا يمانع هذا الاتجاه للأمور، فاسمه بارز وحيد كمقدم للبحث، ولا ضير في أن تفاخر الجامعة به أكاديميا وإعلاميا لأغراضها وبما يفيده. في الأسابيع التالية، بدا صالح كعنصر مشع، يبتدئ الأحاديث ولا يتوقف عن الكلام في العلم باسترسال، مع كل أحد.
وفي غدائهما التالي مع أمهما سبق صالح شقيقته نحو الملوخية، ولم تتأخر عنهما طويلا، جلست أمام الطبق ، بعد قبلة على رأس أمهما.
- عندي لكم خبر حلو يا أمي وصالح.
- بشري .
- ترقيت الحمدلله، مستشارة لاتحاد شركاتنا
- ماشاء الله مبروك، ولكن ما الفرق بين نائبة الرئيس ومستشارة؟ أليس منصب النائبة أفضل لك وأرقى؟
- لهذا أنت بعيد عن الواقع أخي آينشتاين، دعني أشرح لك باختصار، مستشارة اتحاد شركاتنا يعني أن جميع مجالس الإدارات تعود إلي قبل رؤسائهم لأجل المراجعات قبل اتخاذ القرارات النهائية.
- هل هناك أصلا منصب بهذا الشكل؟
- بالضبط شقيقي الطيب! تم استحداث المنصب مؤخرا
- ماشاء الله مبروك مبروك.
- عانينا قبلها من خسائر فادحة، ثم أعدنا هيكلة القوى العاملة، وطورنا إدارة المخاطر، وأنا كنت صاحبة القرار، وهذا الأمر ببساطة ، لكل مجتهد نصيب.
- مجتهدة مذ عرفتك شقيقتي العزيزة
- بانتظار الذي سيكسر الدنيا يا آينشتاين
عادوا لالتهام الأكل بحيوية وحماسة، وكل له أسبابه، استمرت الأم في دعواتها وابتسامتها لا تفارقها ، حتى تغير فجأة وجه صالحة وهي تتصفح تطبيق الطائر الزنان
- صالح، عندك طالب اسمه ذعار
- ذعار ؟ طالب في الدراسات العليا عندي .. لماذا تسألين
- رفع عليك وعلى الجامعة دعوى
أخذ منها الجوال ويده ترتعش،
– الدجاجلة المفترون
– الدجاجلة المفترون
وصارت تطمئنه شقيقته:
- لا تبتئس يا أخي، انظر، حينما قمت بالخطوة الأولى نحو الواقع وعملت بجد، ظهر لك الحساد، لو أنك استمررت على وضعك القديم لما تنبه لك أحد، هكذا حصل لي ، كان الكل يوجه إلينا أصابع الاتهام في خسائر الشركة، وحينما أخذت زمام المبادرة، أكرمني الله بما أستحق، لذلك لا تستسلم، هذه بداية الطريق، أعرف محاميا جيدا كان هو مدير الشؤون القانونية في شركتنا، ويعلم الله كم خلصنا من مآزق مهولة بنبوغه.
صار صالح يبكي فجأة، والأم تطبطب عليه، وتدعو لهما
-اللهم زوجهما.
وصالحة أخرجت جوالها للبحث عن رقم المحامي السابق.




أضف تعليق