
– هل أنت ابنة الوزير عباس العبسي؟
لم يسألها أحد مثل هذا السؤال منذ خمس عشرة سنة.
كانت تلك اللحظة تنظف بقيّة النشارة المتبقية من حصتها للأطفال في منجرتها التدريبية ، المنجرة التي أهداها والدها بعد تخرجها بشهادة في العمارة من الجامعة الأمريكية في بيروت.
-حياك الله، أنا ابنته الوحيدة، لماذا تسألين؟
-رحم الله والدكم وغفر الله له، زوجي يدعو له كل يوم ويذكره بالخير أمامي وأمام أبنائي.
- لكن لماذا، هلا حدثتيني عن السبب من فضلك؟
ضحكت أم الطفلة المتدربة بابتسامة مستعجبة، وكأنها استنكرت استغراب ابتهال ، ثم بينت :
- كان زوجي وثلاثة من زملائه سيفصلون ويتهمون بمخالفات كبرى، لكن تدخل والدك وأنصفهم، ومنذ ذلك الحين والدعوات له لا تتوقف.
سمعت ابتهال القصة، ولم تتبدل تعابيرها، بل بدا عليها وكأنها تريد إنهاء الحوار سريعا دون إكثار من المرأة:
- جزاك الله خير، الله يغفر له، أتحبين أن تسجلي ابنتك للدورة القادمة
أصرت المرأة بعد تردد وخجل أن تؤكد :
- صدقيني ، قد كان والدك رجل شريف نزيه، رغم ما حصل له ومايقال عنه، لا تصدقي كل شيء
- لو سمحت ، ما أدراك عن أبي، جزاك الله خيرا لا تتدخلي في هذه المسائل، قلتي ماعندك وجزاك الله خير، أخدمك بشيء.
خجلت المرأة ولعلها ندمت على إصرارها، فتشكرت من ابتهال، ولم تبد رغبة في تسجيل ابنتها للدورة التدريبية القادمة. جال فكر ابتهال في أحداث الماضي كانت مراهقة متيمة بأبيها إلى أن جاءت الفاجعة الأليمة، انتشر الخبر يوما بين الجميع، المحب والكاره، الأهل والزملاء، المعارف والغرباء، معالي الوزير عباس العبسي أدين بالفساد، مستغلا لنفوذه الوظيفي، تتذكر ابتهال جيدا ما حصل لها تلك الأيام، لم تعد قادرة على الذهاب إلى الجامعة، كيف تلقى الناس ووالدها فاسد، غضبت منه، حاول مرارًا أن يقنعها بأن في الأمر لبس، لكنها كانت مقتنعة بما صدر، كانت حزينة، كان والدها بداخلها كأنه غابة من الأشجار ثم صارت صورته و ذكراه كأنها نشارة متناثرة مبعثرة لا تدري ما تفعل بها، لا تدري، لكنها لم تستطع أن تسامحه، حتى بعد أن مات بعد أسبوع من جلطة أصابته. تذكرت أيام العزاء، كانت تشعر بالأسى على والدها الذي مات في قلبها قبل موته الفعلي، تذكرت بأنها أحبته كما تحب الابنة أبيها فطرة، ولكن قصة المرأة لم تثبت لها سوى أنه نفوذه مؤثر في حياة الناس، هكذا أغلقت في عقلها الاسترسال، إضافة لرنين هاتفها، زوجها :
- ابتهال ، لا تنسي موضوع القوائم المالية لشركتي وإغلاقها مع صديقتك المحاسبة، وما بنقصر معها بحول الله، أهم شي تعجل الأمر، الوقت يمضي ولا نريد تدقيقًا منها على صغائر الأمور طيب؟
- أبشر، سأعاود الاتصال بها الليلة
تأملت المنجرة، كل شيء نظيف الآن، فكرت بأن بإمكانها العودة للمنزل، بقي شيء أخير، نظرت لهاتفها، مسحت بقية نشارة خفيفة لحقت بالشاشة، فتحت محادثة صديقتها:
- حبيبتي، نحتاجك في خدمة بسيطة.




أضف تعليق