
استيقظ سمعان البصري تمام الثالثة صباحا، لا عن رغبة واختيار، بل هو الاضطرار، نهض لأنه لم يستطع أن يكمل النوم، وعندما نام، فقد نام على طريقة السقوط الحر، وللصيف اللاهب دور كبير في ذلك. اختار الدور العلوي رغبة في الهروب من الأرض ومحاولة للقرب من السماء، ولكنه اصطدم بالواقع، فالمكيفات انخفضت قدرتها، والغبار يغزو مرات متتابعة من فتحات معلومة وغير معلومة. ورغم أن الطاقة كانت منعدمة ولم يستطع معاودة النوم، فقد قرر أن ينطلق للصالة، تناول برتقالة من سلة الفواكه، قشرها، وابتدأ بأكلها، وحينما أحس بالحرقان، تذكر أنه اختيار خاطئ للصيف، حرقان وحر ؟ لا يمكن، فكر أنه لو اختار الموز لكان خيرًا له، ولو أنه لا يحب الطعوم الثقيلة في ابتداء يومه، أدرك بأنه سيكون يوما ثقيلا مهما حاول، وعندما يبتدئ يومه بمثل هذه الحالة من اضطراب الطاقة، تنكب عليه كل الأفكار المؤجلة المختبئة في تجاويف الذاكرة، تلك الذكريات التي يندرج تصنيفها ضمن الأحزان المتخمرة والأفعال الممكنة العالقة، تذكر خلافا قديما وقع بينه وبين صديقه عنتر الإدريسي، وردد مع نفسه: عرفت منه معنى الخيانة كما هي في عالم الأفلاطونية، مثال كامل دون نقصان في التنزيل، ولعل صديقه عنتر يرى المسألة من منظور آخر – كما يكون عادة في مثل هذه الأمور البشرية – و سمعان مؤمن أن الخطأ كله واقع على عنتر، فهو مندهش من قدرة صديق على أن يبيع فكرة مشروع كان سرًا بينهما بعد أن خططا لتصور المشروع وتقسيمه ، على أحد (الزملاء) المشتركين، والذي بدا له من عنتر ألا علاقة قوية تربطهما. استرسل في شلال الذكرى المسرودة عليه من عقله، فكر في بداية المشكلة، لقد أخبر عنتر يومها أنه بحاجة لاكتساب مزيد من المال في سفر لعمل مع والده في مشروع زراعي بالأردن، وأنه قد ينقطع عنه للانشغال في العمل المتواصل استعجالا في جمع المال ثم العودة، لكن عنتر أصر على سمعان ضرورة تنفيذ الفكرة خلال شهر، لكن سمعان بين له أهمية الذهاب، وذهب وكل واحد متحفظ على الآخر، وعندما عاد بعد تسعة أشهر ، عاود الاتصال بعنتر لأجل النقاش في أبعاد المشروع وكيفية التطبيق – لم يفكر بعد في التنفيذ المباشر لأجل عوائق كان يراها منطقية – ولكن عنتر لم يجب على الاتصالات، وفي ظهيرة اثنين لم ولن ينساه، رد أخيرا على اتصاله، ولكن المتحدث في الطرف الآخر لم يكن هو، بل كان صوت الزميل المشترك :
- نعم ؟
- أين عنتر؟
- منشغل بإنجاز بعض العناصر المتعطلة في المشروع.
- أي مشروع ؟ اتصل عليه منذ أسبوع ولا يرد
فيشرح له الزميل الغريب ماهو المشروع، فيندهش سمعان مما سمعه، ذلك أن المشروع هو ذاته الذي اتفقا على إنجازه معا، وقتها ، شعر بمرارة ثقيلة في الحلق، وطعم جرح ناشف في لسانه مع ثقل في الرأس غريب، وشعور استعلاء هادئ، أحس وقتها بأنه صار بحكمة رجل في الستين، وقد كان عشرينيا وقتها، تساءل عن الأسباب، مرت سنوات وهو يحاول أن يفهم بواعث عنتر وأقر بعجزه عن فهم البشر، فكر بأنه كان واضحا في كل أمر مع عنتر، إذن لماذا يخون الإنسان عندما يصدق معه الإنسان؟ لم يفهم، ولكن شعر بأن حياته استمرّت بوعي أكبر، ونضج قارب على الاحتراق، لكنه حافظ على درجة النضج على حافة الاحتراق، وصارت قصته مع عنتر لا تثير في نفسه ذات المشاعر القديمة التي كانت تأتيه، كان يدعو له بالحياة السعيدة، ويزداد تأملا في غرابة الحياة كل مرة، لكنه يقنع نفسه بأن الموضوع لم يكن أبدا ذا تأثير سلبي عليه، على العكس، كان يعزز من شعوره بحسن موقفه ووفائه مع عنتر، ويتمنى له حياة سعيدة رغم كل شيء. عاد للتفكر في جسده بعد سيل الخاطر هذا، لم يستيقظ بعد، ها هو أذان الفجر يصدح عاليا في الآفاق، في العادة كان يبرر لنفسه ترك الصلاة في المسجد، أصوات متدافعة تتداخل في ذهنه، هل الصلاة واجبة في المسجد؟ يستغفر الله بينه وبين نفسه لأجل طبيعة الأفكار التي تأتيه وقتها، ولكنه قرر أخيرا أن ينطلق للمسجد رغبة في التنشيط – كان يستغفر الله على النية – ولكن الذهاب خير من عدم الذهاب، كانت هذه الفكرة هي وقود الانطلاق. انتهت الصلاة، حرك خطوة إثر خطوة نحو المنزل، وأحس بأن الروح بدأت تعود مجدد من عالم الأحلام الموازي لجسده، ابتدأ يفكر في برنامج الصباح، كبدة طازجة للفطور، ثم قهوة، وحلقة من مسلسله المفضل، اعتمد الخطة في ذهنه، وحالما استقر على كنبته، والتهم الكبدة، وحضر الشاي استعدادا للحلقة، إذا بجواله يرن، وإذا الصدمة الكبرى – صدمة على المستوى المنطقي لا المستوى الشعوري الانفعالي، فسمعان يظن أنه تجاوز التأثر بالوقائع القديمة – فقد كان المتصل هو عنتر، بعد كل هذه السنوات يتصل مجددا، ولم يجد سمعان مانعا في أن يرد، راوده الفضول لمعرفة أخبار عنتر :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا جوال سمعان؟
ابتسم سمعان ابتسامة هادئة وأجابه بالإيجاب، وكانت مكالمة خفيفة لطيفة، كان يسأل فيها عنتر صاحبه القديم سمعان عن الأخبار ويعلمه بأخباره، وهي أنه افتتح هو وزميلهم الغريب قديما الفرع الثالث لشركتهم المختصة في الجرافات وهي ذات فكرة المشروع القديم دون إغراق في تفاصيله التي كانت فريدة وقتها، وشرح سمعان أنه بعد التخرج من الجامعة قرر الانخراط في أعمال والده المرحوم، والأمور عنده مستتبة كذلك، كان الحديث عذبا مسترسلا، إلى حين شق صوت عنتر أجواء العذوبة في المكالمة بغرابة سؤاله واضطراب نبرته المفاجئ :
- هل رأيت مني سوءا قط يا سمعان؟ هل أنت غاضب مني؟ تسامحني بالله عليك؟ أنت زعلان مني
يحاول وقتها سمعان أن يفسر ثباته الانفعالي إزاء مثل هذه الوقائع، هل هي طبيعة فيه فطرية تجنح للسلام والمسامحة؟ أم أنه استعلاء منه على الطبيعة البشرية أم أنها لذة خفية لأن الرجل جاده طالبا السماح؟
- ما رأيت منك إلا الخير ..
واستمر يهدئ من روعه بكلمات طيبة، وخرجت منه الكلمات والعبارات بهدوء وثقة وسعادة، كيف كان جثة هامدة قبل سويعات يريد استرجاع روحه من عالم الأحلام ليعاود نشاط يومه بحيوية، ولم يستطع أن يحقق ذلك، وإذا بهذه المكالمة تشحنه بذلك، صار يتأمل : هل هي الأنا المسكينة، تعطينا معنى الاستعلاء على الناس لنتوهم أننا فوقهم، ربما – يقول لنفسه – وانتهت المكالمة بالدعوات الطيبة بينهما، وحالما أغلق الهاتف، شعر بارتجاج الحكمة في الأجواء من حوله، أحس بأنه ممتلك لزمام المعاني ومدرك لأسرار الحياة، كان سعيدا، وتضايق لوهلة من نفسه، هل الإنسان يغذي معناه عبر التهام جراح الآخرين؟ شعر برغبة قوية في استكمال قراءة كتابه المجاور على المنضدة في الصالة، من الكتب التي يمكن قراءتها مرارا دون أن تبلى في ظنه، ويمكن فتح صفحاته كيفما اتفق، هو كتاب التأملات لماركوس أوريليوس، أمسك الكتاب ، فتحه كيفما اتفق، وإذا بالإمبراطور ينهض عاليا في السماء ليقول له :
(( فعَلامَ أنت ساخطٌ؟ على اللؤم البشري؟ تَذكَّرْ أن الكائنات العاقلة قد خُلِقَت من أجل بعضها البعض، وأن الصفح جزءٌ من العدل، وأن الناس تفعل الشر عن غير عمد))
أوشك أن يترحم على ماركوس، ولكنه أحجم عن ذلك في اللحظة الأخيرة، وبحماسة قرر أن يهرول رياضة على شط البحر غير مبال بحرارة الجو اللاهب، فهو يشعر بحرارة الحماسة تخرج من كل خلية في جسده، وقبل الهرولة، تلصص على الموقع الإلكتروني لشركة صديقه القديم، وطال التصفح حتى أذان الظهر، فعاد للمنزل بعد الصلاة، دون هرولة ولا بحر.




أضف تعليق