(١)

اكتست السماء السواد، وزاد السواد سوادا تلبد الغيوم بعضها فوق بعض، وهزيم الرعد صبغ المدى صبغة البعث، و صاحبنا (عادل الفردوسي) مضجع على أريكته المخملية بلونها الغارق في بحر السواد، قد استيقظ لتوه من قيلولة العصر، فرك عينيه الجافتين بيديه المتقشرتين ، نظر سراعًا نحو ساعة الحائط العتيقة، وكأنه استذكر شيئا، فوجدها تشير للرابعة مساء، نهض متلكئًا نحو النافذة فلم يجد إلا السواد والمطر المنهمر، زاده هذا رغبة في أن يعاود الاستلقاء على أريكته، والصداع ينخر جمجمته، تذكر فجأة أنه يشعر بالعطش، لابد من الماء، ارتشف رشفتين، لأجل البقاء، لا أكثر من ذلك ولا أقل، جر قدميه جرًا نحو حمامه الصغير ذي الإضاءة الصفراء الخافتة، ومعطر الجو الكاتم على الأنفاس، وابتدأ بفرك وجهه بالماء والصابون فاغرا فاه بكسل وانعدام رغبة حتى ينظف أسنانه، ومن خلال المرآة، باستطاعتك أن ترى رجلا في منتصف الثلاثينات، والهالة السوداء ظاهرة بوضوح تحت عينيه، ولم تسلم وجنتيه من التجعد، حاول أن يفهم الحالة التي يمر بها وأسبابها، حتى استذكر كل شيء دفعة واحدة، على وقع زمجرة الرعد المهيبة وصوت الأمطار المتدفقة يصبحها تباعا.

وصل صديقه عبدالفتاح ورن الجرس على عادل بضغطات احتفالية متتابعة، وهو رجل مبتسم دوما، من أولئك الرجال الذين تراهم فتدرك أنه لا يمكن لأي هم أو غم أن يتمكن منهم، سهل لين، في الرزق ساع مع تيار نهره وحيث يتجه نجمه، وتمضي معه الأرزاق، تنمو، ويزداد توسعا وبركة في تجارة الفواكه والخضروات، على العكس من صاحبنا عادل، الذي فشل في تجارة العقارات وتطويرها، بعد مسيرة مهنية باهتة في إحدى شركات الأحذية الوطنية الصاعدة، ولا خوف عليه من حيث المال وما إلى ذلك، فأسرة الفردوسي ممن يتوالد المال لديهم من حيث يدركون ومن حيث لا يعلمون، لكن المؤكد أن علاقاتهم واسعة وممتدة.

فتح عادل الباب، ويبدو أنه قد أرتدى الجلابية المغربية السوداء :

  • خيرا يا عبدالفتاح، وفي هذه الأجواء الممطرة السوداء؟
  • الأجواء الممطرة السوداء؟ بل جمال وسعادة! مطر وخير وأجواء حلوة، المهم، هل أتفضل بالدخول؟
  • تفضل تفضل، لا خيار لنا.

صار عادل يتأمل في أنحاء البيت، الفوضى تعم الأرجاء، ولا هواء في الأنحاء :

  • يا صديقي لماذا كل هذا؟
  • تسألني بعد كل ما حصل؟
  • لعلك ممن ابتلاهم الله بالمبالغة في ردات الفعل وتضخيم حقائق الأمور؟ ما الذي حصل؟ خسرت في محمصة جديدة حاولت افتتاحها؟ عشرات غيرك يحصل لهم ذلك في الرياض، أمر طبيعي للغاية، والمنافسة شرسة، لا تيأس، وفكر في أمر آخر.
  • ليس هذا همي، الخير وفير.
  • ما همك يا بن الناس؟
  • يا أخي أغرقني شعور غريب بالهم والغم بعد عشاءنا قبل أسبوع.
  • لا أذكر إلا الرز الفاخر واللحم المستطاب، لعلنا نضرب بالخمس هذه الليلة؟
  • أين أنا وأين أنت؟ لماذا تسأل طالما أنت لا مبال هكذا.
  • آسف آسف، والله إني آسف، ولكن مقصدي أنني لا أذكر سوى أنها ليلة هادئة كان الأكل فيها طيبا وأنت كنت في مزاج معتدل، فما الذي حصل بعد ذلك ولا أعرفه.
  • تذكر ماذا كنا نشاهد أثناء الأكل؟ 
  • دعني أقلب الذهن ، أووه تذكرت، ابتلاني الله بمزاجك المعتل يا صديقي، فبالله عليك هل هو إنسان طبيعي من يشاهد فيلما وثائقيا على العشاء؟ إنا لله.
  • تذكر ما كان موضوعه؟
  • أبدا، كنت على هاتفي الجوال أنجز بعض الأمور العالقة.
  • كان موضوع الفيلم عن انهيار الإمبراطورية الرومانية.
  • حياتك عبارة عن مأساة يا صديقي، طيب؟ وأين حصل انعدام التوازن عندك وأوجد الهم في نفسك؟
  • موضوع الوثائقي.
  • جاوبني بصدق: أنت تمازحني وتعبث معي دون شك يا عادل؟ على طريقتك القديمة في إطلاق النكات الثقافية البائسة التي لا يفهمها إلا أنت ومثقف عميق آخر في آخر الدنيا لا ندري عنه شيئا.
  • أنت الآن تجيء لمنزلي حتى تسمعني هذا الكلام ؟ توكل على الله يا حبيبي.
  • والله إني آسف آسف، لا تكن متعصبا يا صديقي، هون عليك، هون عليك، ولكني لم أفهم مرادك.
  • مرادي أن موضوع انهيار الإمبراطورية الرومانية حرك بداخلي كل الأسئلة الكامنة والمتراكمة في ذهني العليل طوال سنوات الوعي والملاحظة.
  • أممممم، أتدري يا صديقي ماهو أهم سؤال في حياتي كلها ؟
  • حدثني.
  • كيف استمرّت علاقتنا في ظل هذا التفاوت الشديد بيننا على كافة الأصعدة؟
  • حديث الروح للأرواح يسري، والله لا أخفيك أن هذا السؤال يرد على ذهني بين الحين والآخر، كلما صرت أنت أكثر تفاهة، كلما ازددت قربا منك واحتراما لك.
  • طيب عودة على موضوعك يا صديقي حتى لا تظن بي الهزء بك أو تبديل الموضوع، أكمل كلامك، لماذا أثر فيك هذا الوثائقي وأثار الأسئلة الكامنة فيك؟
  • لا أعلم، كأنه مفتاح سري لأعمق أبواب الروح، قام بفتحها هذا الوثائقي.
  • أتدري؟ لربما يحل لك اللغز من هو مشابه لك في المزاج والتكوين، ولو أنني لم أتشرف بمعرفته حتى الآن، ولكني أجزم أن الحل عنده بحكم أنكما من نفس العائلة، وبحسب ما سمعت عنه منك، أظنه الشخص الأنسب في معاونتك على فهم نفسك.
  • عن من تتحدث؟
  • عن عمك نوار، نوار الفردوسي، كبير عائلتكم الشهير الغائب.
  • لم أزره منذ وفاة المرحوم الوالد.
  • وهذه فرصة لصلة الرحم وتجديد العهد.

بعد أخذ ورد بينهما، قرر الاتجاه للسلام على عمه، ومر على غرفة أبيه دون وعي منه، فتح الباب، وتأمل في غرفة أبيه التي يرتّبها بعناية فائقة منذ وفاته، ومنظفا كل شيء فيها، لكن غايته من الدخول لها هذه اللحظة كانت النظر في الخارطة المعلقة على الجدار، إنها خريطة قديمة للعالم، قال له المرحوم أنها خريطة وقطعة نفيسة نادرة وغير معروفة اشتراها قديما من قريب لهم في تونس، وهي لجدهم الجغرافي الشهير : محمد الإدريسي.

(٢)

المبنى الذي يقيم فيه عمه من طراز فريد لا مثيل له، برج صغير من سبعة طوابق، في أعلاه مجسم على شكل كوكب الأرض و متحرك يدور باستمرار، وعمه اتخذ الطابق السابع مكتب له، بعد عزلته الشهيرة في أوساط العائلة قبل ثلاثين سنة، بعد وفاة الجد جعفر، وقد عمل في ابتداء حياته مهندسا للعمارة في مكة، إذ أنه من المهندسين المعماريين الاستثنائيين على مستوى المملكة، لكنه طلب الإعفاء من القضاء بعد وفاة الجد جعفر، لأسباب بعضها شديد الوضوح، وأغلبها شديد الخفاء، لكن الواضحات هي تربعه على عرش إرث عريض من العقارات والأموال الظاهرة والباطنة، لينطلق بعدها في رحلة حول العالم ، ابتدأها من الشرق حتى الغرب، ثم شمالا نحو الجنوب، وأعاد الكرة ابتداء من الغرب في المرة الثانية، ومن بعد ذلك اعتزل الأهل والصحاب، معتكفا بين كتبه ومؤلفاته، والعجيب أنه كتب سبعة مؤلفات، بلغة جديدة ابتكرها لا يفهما إلا هو، وقام بإيداع دليل لغته المبتكرة في بنك سويسري، أوصى بأن لا يُفتح إلا بعد وفاته بعشر سنوات، عاش وحيدا دون زوجة ولا أولاد.

ها هم الآن، أصدقاء الهم والسعد، عادل وعبدالفتاح يدخلون على العم نوار الفردوسي، أسطورة الأسرة الشهيرة وخلاصة النبوغ فيها، تجلى لهم العم شيخا مهيبا أنيقا، ثوبه غاية في حسن اختيار القماش وتوازن التفصيل، على جسد ظاهر فيه العناية بالرياضة والمأكولات النظيفة على الرغم من شيخوخته، واللحية المشذبة بعناية فائقة، على الغترة البيضاء الأصيلة، وسبحته الكهرمانية البلطيقية الفاخرة العتيقة تزين يده، وأول ما دهش بصائرهما وخطف عقولهم هو تصميم المكتبة داخل مكتبه، فقد كانت المكتبة مصممة وكأنها خريطة للعالم، والكتب دول فيها، سبعة أقسام وفق قارات العالم، وطاولة المكتب التي يكتب عليها ويعمل واقعة في المنتصف، وعُلّق على السقف خارطة قديمة للعالم، داخل إطار مذهب، انصرفت أنظار عادل نحو الخارطة المعلقة، وصديقه يتأمل في قارات العالم السبعة والكتب التي بداخلها. رحب بهما العم واستقبلهما بحفاوة ظاهرة.

  • أخيرا جئت إلي يابن أخي.
  • العفو منك يا عم، لعل الوقت المناسب قد جاء. 
  • وهو كذللك يابن أخي، حللت أهلا وسهلا في محلي، وقد لفتني انجذابك للخارطة المعلقة، فما الذي ألهمك فيها؟
  • ذكرتني بخارطة من تركة المرحوم والدي، وتلك خارطة أحبها وأعود للنظر فيها كل يوم.
  • فأرجو أن تكون هذه الخارطة سبب في عودتك إلي من حين لآخر، فهي من ذات المصدر يابن أخي.
  • كيف يا عم.
  • أهداني إياها والدك المرحوم، وهي رسمة أخرى نادرة وغير معروفة لجدنا الأكبر الإدريسي.

صمت العم نوار متأملا وجه عادل، وطال الصمت لدقائق، حتى قطعه عبدالفتاح :

  • أرجو ألا يضيع ابن أخيكم من بين أيديكم ياعم، فهو غارق في السواد منذ فترة.

رمقه عادل بنظرة سخط وعتب، وتمعّر وجهه، بيد أن عمه أزاح التوتر عن الأجواء :

  • تحدث يابن أخي، ماهذا الخجل؟ إنما أنت ابني من بعد أخي، ولا حق لي في قول هذا – لعلك تقول في خاطرك – طالما لم أسأل عنك، لكنني من ورائك في الخفاء والذي خلق الأرض والسماء، فحدثني عن همك ولا تبتئس.

أخذ عادل نفسا طويلا، وأغمض عينيه، ثم شعر بالارتياح للكلام، وقرر عبدالفتاح أن يخرج من الجناح الضخم، لأجل أن يشعر عادل بالراحة في حديثه مع عمه، على حد قوله.

  • عمي نوار، لماذا نحن هكذا وهم كذلك؟
  • فكر وتأمل مثل جدنا يابن أخي، فكر بالاتجاهات الجغرافية : لأن الشرق شرق، والغرب غرب، إلا لو أردت كسر القواعد.

سكت وصمت وتأمل، ثم ألقى بسؤاله الثاني

  • هل أملك حرية الاختيار ياعم؟ أم أن كل شيء قد رسم من قبل حياتنا؟
  • هنا أقول لك: دعك من جدنا الإدريسي، وتعال معي نحو عمنا تولستوي.

نهض من مكتبه فجأة، وأخذ بيد عادل نحو قسم (آسيا) المتاخم لقسم (أوروبا) وانتزع منه المجلد الأول لرواية الحرب والسلم لتولستوي، فتح الكتاب، ووضع يده على موضع، وأشار إليه:

  • اقرأ هذا الموضع يابن أخي، هنا، يتحدث عن نظرته وسر اختياره للمرحلة التاريخية التي كتب روايته عنها، اقرأ بصوت عال.

أخذ عادل الكتاب، وشرع في القراءة :

(( حين وضعت الحوادث التاريخية التي وقعت في سنوات 1805 و1807 و1812 خاصّة، وهي السنوات التي تظهر فيها الحتمية بارزة أكبر بروز، لم أستطع أن أنسب شأنًا كبيرًا إلى الأعمال والإشارات التي قام بها رجال ظنّوا أنهم يوجهون هذه الحوادث ويتحكمون بها، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا أقل سائر العاملين تدخلًا فيها بنشاط إنساني حر. إن نشاطهم لم يهمني إلّا من حيث هو مثال على قانون الحتمية ذاك الذي يحكم التاريخ في نظري، ومن حيث هو مثال على ذلك القانون السيكولوجي الذي يدفع الإنسان حين يقوم بعمل هو أقل الأعمال اتصافًا بالحرية، إلى أن يتخيّل بعد قيامه بهذا العمل سلسلة من الاستدلالات هدفها أن تبرهن له هو نفسه على أنه حر)).

  • ما رأيك في كلامه يا عادل؟
  • أي أنك مؤمن بالحتمية في التاريخ يا عم؟
  • كلا، هذا تولستوي وشأنه، ولو أنك لا تعلم مقدار حبي للرجل، لقد غير حياتي هذا القديس الروسي، عجيب هو أمر الروس يابن أخي، أظن أحد شبابهم سأل ذات يوم : لماذا هم هم؟ ولماذا نحن نحن؟ ويبدو أنهم مازالوا يبحثون عن هذا الطفل الضائع.
  • وما هو رأيك في المسألة يا عمي؟
  • سأخبرك الآن.

أخذ من ابن أخيه الكتاب وأعاده في موضعه، ثم فتح خزنة في زاوية المكتبة، واستخرج منها كيسين، كيس شاي، وكيس قهوة.

  • هل تريد شايا أم قهوة؟
  • أفضل القهوة يا عم.
  • هل أنا الذي جعلتك تختار؟
  • هذا تفضيلي.
  • أليس أنا من وضعك موضع الاختيار؟ لماذا لم أخيرك بين الشاي والبابونج ؟ وهل ستكون وقتها مختارا؟
  • أمممم 
  • لن أتركك في متاهات الحيرة يابني، بل سأثبت لك، رغم كل شيء، أن باستطاعتك السعي والاختيار.
  • كيف ياعم؟

غاب عن ابن أخيه خمس دقائق، ثم عاد إليه بالقهوة، وطلب منه أن يشرب :

  • تذكر يابن أخي جواب عمك نوّار الفردوسي، لأن قولي هو الفصل، وإن شرقت وغربت في هذه الدنيا، لن تجد الحكمة في كوب قهوة كما أقدمها لك الآن، ابني، يابن أخي : تذكر أن شرب القهوة من عدمه، هو اختيار دائم لك، وإن أجبرت على شربها، والأعمق من ذلك، أن تختار الاستمتاع بها أو أن تشربها على كره، الأمر لك يابن أخي، ونجيء الآن على امتحانك الأعظم، والاختيار الأكبر بالنسبة لك في هذه الحياة.
  • ماهو يا عم نوار. 
  • أرأيت خريطة العالم، التي رسمها جدنا الإدريسي، نسخة المرحوم والدك، ونسختي؟
  • نعم.
  • ينقصنا أن تجد خريطتك يابن أخي، الخريطة الثالثة للإدريسي الكبير، وهي الخريطة الأهم  لجدنا العظيم، ومنذ اللحظة، القرار قرارك، والاختيار اختيارك، فإن شئت، تجوب العالم بحثا عنها منذ الغد، أو تترك الأمر بالكلية.

ومن ذلك الحين، لم يصل لأحد من الناس خبر عن عادل الفردوسي، فقد ارتحل بحثا عن الخريطة المفقودة، ولا خبر عنه، البعض يظنه اقترب للغاية، والكثير غيرهم ظنوا أنه ضاع، أما صديقه عبدالفتاح، لا يتبسم ابتسامة مشرقة إلا حين يأتون على ذكر صديق عمره، فيجيبهم: الخريطة والغاية، في أثر الساعي، طال الزمان أو قصر.


اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة