Art work: Mihail Stefanescu – Natura statica cu fructe
عمر فيصل العقاد، لطالما أعتز برنين العراقة في اسمه الفاخر، ولا يقتصر افتخاره على أفعال والده التي طارت بحفظها دواوين القبيلة المحفوظة في ذاكرة التاريخ، وإنما هو معجب كذلك بالصدى الأسطوري الذي يحدثه سماع اسمه لدى السائل للوهلة الأولى، يقول لنفسه: من لا يعرف عمر؟ ومن لم يسمع بفيصل؟ ومسكين من لم يقرأ للعقاد.
-العقاد معقّد، ومبالغ في تقديره، وطه حسين يشطب تاريخ عباس
بكتاب أيامه الخالد.
– دع عنك هذا الهذر الجاهل، كانا مدرستين في تاريخ عربي قريب بعيد، نجمين في سماءنا المظلمة، أين نجومنا اليوم؟
– في السماء (قهقه بجلجلة تخرق الآذان) دع عنك هذا، وأخبرني هل حسمت قرارك بالتقاعد لابتداء رحلتنا حول العالم؟
– هل أنت شغوف متحمس معي؟ أم أنك لأجل الأخوة والوفاء
تسايرني؟
– كلا السببين.
– انتظرني لما بعد الغداء، سأتصل بك المساء لأعلمك بقراري بعد الاستخارة والتأمل.
– وهو كذلك.
هكذا أغلق حواره مع حميد صمد الدين، صديق عمره على السراء والضراء، وها هم الآن في مقدمات انعطافة جادة لبدايات حقيقية يأملان ولوجها بصدق واقتدار.
انتصفت الشمس السماء، واندلقت حبة عرق يتيمة على جبهته الحنطية، كإشارة خجولة على ضرورة الصعود للسيارة دون تهاون لتشغيل التكييف نحو الدرجة القصوى، وقد كان الزجاج الأمامي متسخ بالغبار، قام بضخ الماء، وابتدأ المسح يمنة ويسرة.
لبث كعادته محتارًا قبل الانطلاق، ماذا يمكن أن يستمع حتى يصل لوجهته نحو سوق السمك، فاختار أن يستمع لحلقة من برنامجه المفضل، وفجأة تعجب من رغبته في أن يكون غداء اليوم هو السمك، لم يستشر زوجته النائمة، ولم ينتظر رأي الأبناء، أولئك الأغراب الذي توافدوا عليه تباعا في غفلة من الزمان، كيف ولدوا؟ ومتى تراصوا مثنى وثلاث ورباع في منزله؟ هاهو الشيب يطرق باب حاجبيه، بعد أن اقتحم دار الوجه غرفة غرفة، منتصف الخمسينات، ليس كبيرا بما يكفي لليأس من الحياة ولا هو بالصغير الذي يبدو مبتذلا حين يتعجب من سرعة مضي الزمان.
(( مرحبا .. هذه دلة من صحراء، وأنا محمد أبو سكّر))
سرح ذهنيا مع الصوت، وباغته من الميسرة سائق طائر في غاية الاستعجال، التفت عليه، وبدا أن السائق غارق في لجة الهيجان الذي تستثيره حرارة الأجواء، رفع أصبعه بحركة ا تليق، فتبسم عمر مستعجبا، فهو لم يستيقظ بعد، تذكر حينها قهوته التي أوشكت على فقدان قيمة السخونة فيها، ويا عجبي كيف نفر من حرارة نحو سخونة، هو الإنسان، أشكل عليه الإنسان.
(( الآن يعني هل أنت اخترت أن تكون علمانيا بمحض إرادتك؟))
هذا كان سؤال المذيع لضيفه، فتذكر عمر أنه كان يتتبع خيط فكرة في ذهنه حول بدايات هذا المذيع، كيف ابتدأ مترحلا في مضارب الربع الخالي تقصيا للمواضيع النادرة، فصار مبتكرا، ولكنه صار غريبا في حلقاته الأخيرة، لعل ثعبانا قام بلدغه ولم يخبرنا.
ثم انطلقت به الذكريات نحو الطفولة، لطالما أرقّه الحنين لأزمنة الذكرى، تفوح في ذهنه كعود ملكي عزّ وجوده، كصباحات الأعياد الكبرى في منازل الأجداد، ومثل خيالات أهل التصوف الخضراء في جنّة يأملون بلوغ مافيها من الجمال والجلال – على أنهم يسرون لأنفسهم في أعمق الدروس المعلقة في معارج العرفان أنك لن تبلغ جنة لم تصلها بداخلك أولا – فعلى هذا درج عمر العقاد متفكرا في ذكريات الصبا وبدايات المراهقة، المراهقة التي امتدت حتى الأربعين، ولطالما أفصح عن رأيه المتفرد بأن المراهقة يمكن أن تمتد مع الإنسان حتى قبره، والسبب عنده أن المراهقة ماهي إلا الوصمة التي يدمغ بها المجتمع أولئك الساعين دوما لتحقيق أحلام الطفولة، الأحلام الأنقى في ذاكرته.
أراد أن يلتف بمقوده لليمين، حيث اقترب من دكان السمك الوحيد، وأثناء الالتفاف ضغط على زر المذياع دون انتباه، فصدح الصوت مباغتًا مؤلما كخيانة الحبيبة:
-وترحل .. صرختي تذبل
وهذه المرة، انهمرت عيناه بدموع الأسى والحنين، لزمن فات ولا سبيل لعودته إلا عبر المخيال الثائر عنده، ألأجل هذا طاب له أن يختار السمك غداء لهذا اليوم؟
جرّه صوت المرحوم طلال مداح لغيابة الجب، جب أحلام الطفولة وخيالات البراءة، ما الذي يجعل الذكرى لا تغيب عن العقل، وما الذي يبعث الشجى من مرقده، الواقع ما أجمله، والحياة طيبة، فلماذا كل هذا الدوران؟
تذكر رائحة الموتى التي انبعثت من روحه يوم أكره على التنازل الأول بضغط الواقع، وعند التنازل الثاني استحالت رائحة الموتى لخدر في الأطراف وحرقة في المعدة، أما التنازل الثالث فلم يعقبه سوى ألم مصطنع وتبريرات بحجم السماء، مريحة واسعة، ولكنها سماء مزيفة، فصار الزيف سيفًا مصلتا على حد الوعي، كلما أراد يقظة نغزه السيف نغزة تحيله لدجاجة مستكينة، أم أن عمر العقاد بصيب في نهجه؟
الحق يقال، الحياة والمعاني والواقع والنجاحات، التي ينشغل بتفسيرها الخاملين، إنما يصنعها الفاعلين، وكل فعل جاد يبتغي مناكفة وشد وجذب وتبرير، فكر هكذا وتنفس الصعداء بعد أن أخذ سمكاته وقفل راجعا لصاحبته وبنيه.
-يا الله يا بابا، السمك مو لذيذ !ا
هكذا صرخ ابنه الأصغر، تلفت في أعين البقية، وكانت كل الأمارات تدل على تأييد رأيه.
-ماذا تريدون؟
جاء الصوت متحدا :
-برغر، برغر، برغر
طلب للأولاد ما يشتهون، والتهم ما تيسر من السمك هو وزوجته وابنه الأكبر، ثم ابتدأ طقس شرب الشاي بنهم، وصرخ عليهم فجأة:
استمعوا للفن الأصيل.
وقام بتشغيل زمان الصمت، الأغنية الأثيرة، ولكنه لم يجد سوى الصمت، الكل منشغل عنه، فحنق وغضب، وتساءل في قرارة نفسه عن سر انصراف الأنفس عما يستثير الخواطر ويستحث الآمال ويبعث المسكوت عنه بداخل الأرواح، فألقى جمرته على ابنه الأكبر،
ليجيبه :
-لا تبالغ يا أبي لكل الأجيال مشكلاتهم الخاصة، وطريقة تفكيرهم الفريدة، المنعكسة قطعا على تفضيلاتهم وأذواقهم، فالأمر غير مرتبط بك، إنما هي هكذا الحياة، ولقد تعلمت هذا منك.
-حقا؟ هذا الكلام المنمق تعلمته مني؟
ابتسم الابن باحترام وقام بتقبيل رأس أبيه عمر وهو يجيبه بالإيجاب، فغرق عمر في أفكاره وأشجانه مجددا ، فكر باحتمالية خطئه، ولعل الأجيال موكلة بمنطقها، هي تفرز مشكلاتها ولعلها تجد حلولها، ما كان متأكد منه، هو رغبته في إبلاغ صديقه حميد
بقراره :
-ياحميد، غدا سأقدم على التقاعد المبكر، وبعدها نرتب تفاصيل
الرحلة.
-كفو.




أضف تعليق