اللوحة:

Claude Monet. Palm Tree at Bordighera

لم يكن (عبدالغفار السبحة) بدعًا من الناس، إنما هو الإطار والإطار هو، كان على مر الأيام، الإنسان المسؤول، حاول مرة أن يخرج عن المسار، ولكنه عاد، بكلمة من هنا وتوبيخ من هناك، المهم أنه عاد، مهملا الهاجس الذي استبد بخواطره الروحية ردحا -من زمان النشأة- دون أن يحسن التعامل معه، فخبأه في زاوية داخل أعماقه مستهدفا النسيان، ولكن الهاجس لا يلبث أن يعاود الظهور، مرة على شكل توتر وقلق، وأخرى على شكل انفعال غريب، ومرات لا تحصى على الطريقة البشرية الأنفع في مواجهة تيار الأسئلة الوجودية في وجه طغيان الواقع: التهرب بالأفعال، وقد تهرب عبدالغفار السبحة عبر الأفعال المندرجة ضمن الإطار ، وهو من ذلك الحين، يركض ركض الهارب، مم يهرب؟ لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، لكنه يدري بالهاجس الذي خبأه قديما في جوف روحه، يحس به منذ زمن الشبيبة، ومازال، حتى اليوم، وهو على مشارف تدشين الحكمة، العمر الذي تبزغ منه أنوار النبوة، ولكن أين صاحبنا وأين هي آثار الحكمة النبوية؟ ما هو إلا فرد من أفراد الدهور الحيارى، سكارى وماهم بسكارى، غصن ضئيل ضمن شجرة الحياة الممتدة عبر مليارات السنين.

لكنه اليوم، يوم الثلاثاء من هذا الصيف الحارق، في المدينة المنورة، بعد أن أعاد الأبناء من مدارسهم للمنزل، وتناولوا الغداء كالمعتاد، خرج من المسجد بعد صلاة العصر، لا يلوي على شيء، وقد استبدّ بخاطره الهاجوس القديم، وصار خانقًا لا فكاك منه، والمعضلة الكبرى أنه لا يدري ما يريد منه هذا الهاجوس، ولكن الزبدة من جوهر الهاجوس أنه يحوم حول معنى الأشياء ومآلات الأمور وغايات الناس ومساراتهم، أفكار عميقة، وما خبر عن نفسه أو أبيه وأهله وجماعته أنهم قوم فلسفة وتقعر في النظر والكلام، هم أهل فعال حديّة، لا صلة لهم بالنظريات، وإن كانوا ذوي أفئدة رئيفة، ولكنه تذكر فجأة أنهم لا يخلون من شجاعة اتخاذ القرارات الجذرية، هل يوصمون بالجنون؟ هكذا يدّعي البعض.

تذكّر فجأة المزرعة التي اعتزل فيها جده شداد بن صالح حول المدينة، بعد رحلة ممتدة من الكفاح والصدق، وهو في قمة المجد والعز، قرر فجأة أن يعيش في المزرعة بعيدا عن كل أحد، ابتنى لهم مجدا من الذكر الحسن والأموال الأشد حسنا! والآن، يقوم عليها خاله صويلح بن راشد بعد وفاة الجد، مراوحا تسيير أعمالها ذهابا وإيابا بين المدينة والمزرعة.

كان النخيل مهيبا من وراء أسوار المزرعة، شامخا كالسماء، وتشعرك الجبال المحيطة بهدوء التاريخ إذ تتقلب الوقائع والأيام، اجتاز البوابة، ومضى رأسا نحو المجلس في وسط المزرعة، دون سابق ميعاد أو اتصال، ومن حسن حظه أن خاله كان في الداخل:

-كم لبثنا يا خالي ؟ أهلا وسهلا.

-الله يبقيك يا خال، لا تبالغ حفظكم الله وأدامكم ذخرا، أمر عليكم بين الحين والآخر.

-المقصد أننا نسعد بكم ولا تقطعونا يا خالي.

علّوا من القهوة حتى لكأنك تشعر أن الهواء قد شرب معهم منها، فالمزاج قد اعتدل، والروح اتزنت، وعاود عبدالغفار التأمل في صناديق أفكاره المبعثرة، باحثا عن علة مجيئه للمزرعة، ومحاولًا اختلاق سببا لحوار يمكن أن يطول بينه وبين الخال، دفعا للغرابة وجلبا للمعنى، فتذكر فجأة قصة قديمة، لا يدري عن صحتها، اختلقها عفوا وتذكرها بغتة ، يظن أنه سمعها للمرة الأولى من والدته غفر الله لها ثم من خالته، وهي أن جده صار يترحّل كثيرا حول العالم، قبل زواجه من أمه، فتزوج قديما فتاة إيطالية من فلورنسا، ولكن زواجه بها لم يطل، لأنه جوبه بمقاومة عائلية عنيفة، انتهت بانفصال مؤدب، تفهمته الفلورنسية، ولم يستسلم الجد، فثار عليهم بالنجاح المستطير، وكانت ثوريته غريبة، إذ كان يحترف إنقاذ الغرقى في بحار الديون والمشكلات من العائلة، قريبهم وبعيدهم، هو جرح الحب، إذا ثار صار نورًا للقلب وما حوله، فقصة هذه الحب صارت أسطورة، تدور في الأنحاء ولا يدري عن حقيقتها أحد، والجميع احتراما للجد، لا يثيرون الموضوع، حتى صاحبنا، لم يعرف عن الموضوع إلا مرة من أمه، ومرة من خاله، لم يفتح الموضوع سوى مرة واحدة، ثم أغلق للأبد، ولا يدري لمَ لم ينتابه الفضول من بعدها بشأن بقية الأحداث، هل أنجب منها؟ هل ماتت؟ هل تواصلوا بعد ذلك؟ هل نسيها الجد في خضم تجارته؟ الأغرب من كل ذلك، أنه شعر بضغط غالب، وإصرار روحي متتابع، يقوده الهاجس المختبئ في داخل أعماقه، صوت يحدثه بأن سيتخلص من هذا الهاجس القديم، وللأبد، إن هو تتبع القصة وجذورها.

-خالي، أرجوك، أنشدك عن شيء ناشدتك الله لا تدعني امضي من هنا إلا وقد حدثتني بخبره.

-بسم الله الرحمن الرحيم، ما أظنك على طبيعتك اليوم، لعل الشمس هبدتك، ولكن علّمني، هات ماعندك.

-جدي أحب إيطالية فلورنسية؟

اعتدل خاله فجأة، وتوثبت كل آمارات الجدية على صفحة وجهه الحنطي الهادئ، وتحدث دون بجدية واحترام، ودون انفعال:

-وهل في ذلك عيب يابن أختي؟

-أبدا، ولكنني أريد أن أعرف القصة يا خالي لأنك الكبير فينا الآن، ولا أظن القصة تخفاك، وأشعر بإلحاح صوت خفي يجرني نحو التفاصيل.

-لعل جن الصفراء تلبسوك.

-أظننا نولد ونحن نلاعبهم يا خال.

-صدقت، ودعني أخبرك التالي: جدك أحب بفروسية عز نظيرها.

-لاشك عندي في ذلك، ولكن هل أنجب منها؟ هل استمروا؟

-لم يتسمر زواجهم أكثر من شهرين.

-عجيب، وما السبب؟.

-توفاها الله بزلزال أصاب بلادهم، رحمة الله عليها.

-هل أسلمت يا خال؟.

-أسلمت واعتمرت وغيرت اسمها : زينب سورينو.

-الله أكبر، رحمة الله عليهما.

-أي والله، هامت في جدك حبا، وأحبها كما يحب البدوي، إذا أحب بصدق، ولا يحب صدقا إلا كرام الرجال.

-ثم كان ماذا ياخال؟

-انتهت القصة، ماذا تريد؟

-قام عنه خاله فجأة، وخرج للمزرعة، ثم قام بمناداته أن اتبعني للخارج، وحينما اقترب منه :

-أنا لا أدري شيئا عن هاجوسك الذي جاء بك عندي اليوم، ولكنك هذه شطحتك علي اليوم، ذكرتني بجدك العظيم، فالامتنان لك، وحق الشكر لعله يجرني لأشترك معك في سر ثمين نكتشفه سويا اليوم، بل اللحظة القادمة.

-ماذا يا خال؟

-لجدك بقية من آثاره، صندوق عتيق، خبأته تحت نخلة أثيرة من نخيله المباركة، ولم افتح الصندوق هيبة واحتراما، ولا أدري والله ما سر ذلك الاحترام الذي تلبسني تجاه الصندوق، وها أنا ذا بعد سؤالك، أجدني راغب في فتحه بمعيتك يابن أختي.

انطلق نحو نخلة ضخمة، حفر ثم حفر وحفر، حتى برز الصندوق، طلب منه العون، استخرجاه بصعوبة، قام الخال بفتحه، وجدا بداخله نسخة عتيقة من كتاب (المنقذ من الضلال)، وصورة للجد مع زينب، وسبحة خضراء، حينها رن هاتف صاحبنا عبدالغفار السبحة، وهي اللحظة التي تبسم فيها بعد أن اطلعوا على أشياء جده، نظر في هاتفه، كانت زوجته هي المتصلة، ونهض عن خاله مبينا له حاجته للذهاب، وقد تبخر فجأة هاجوسه الذي رافقه لعقود.

-فجأة تمشي، يعني طار هاجوسك؟

-تماما، وكأنه لم يبت يوما معي

-وماذا تشعر؟

-سعادة غريبة

-لاحول ولاقوة إلا بالله، أجل اذهب لزوجتك، ولا تنس أذكارك، فقطعا في أمورك في اضطراب وغرابة، ولاتقطعنا من زياراتك الجملية، وادفن ما سمعته ورأيته، واجعله بيننا.

-هو ذاك يا خال.

انطلق صاحبنا بين النخيل، وسقطت بين يديه حبة (الروثانة) التقطها بفرح غامر، وهي اللحظة التي سمع فيها خاله يصرخ من ورائه :

-لحظة لحظة يابن أختي، لم أعطك صناديق الروثانة، هذا موسمها.

-تكفيني هذه الحبة يا خال.

ورفع يده لخاله بالحبة في يده وكأنها كنوز سليمان، ثم مسح عليها، والتهمها وكأنها هبطت عليه من فردوس ربه، ثم ارتحل.


اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

نوافذ

مقالات، مراجعات، قصص قصيرة .

اكتشاف المزيد من نوافذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة